تشهد العلاقات الإيرانية الأميركية جولة جديدة من التوتر السياسي والإعلامي، بعد اتهامات وجهتها طهران إلى واشنطن بتقديم تفسيرات تتعارض مع النص الأصلي لمذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها بين الجانبين في إطار الجهود الرامية إلى احتواء التوترات وإنهاء المواجهات الأخيرة.

 

وتأتي هذه التصريحات في وقت لا تزال فيه الشكوك المتبادلة تسيطر على العلاقة بين البلدين، رغم الحديث عن فتح قنوات دبلوماسية تهدف إلى خفض التصعيد وإرساء قواعد جديدة للتعامل بين الطرفين.

 

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين أميركيين بشأن مضمون مذكرة التفاهم لا تسهم في تبديد حالة انعدام الثقة المتراكمة لدى الإيرانيين تجاه الولايات المتحدة، بل تزيد من حالة الريبة التي تحكم نظرة طهران إلى السياسات الأميركية.

 

وأوضح بقائي أن أي اتفاق أو تفاهم بين الجانبين يجب أن يقوم على قاعدة واضحة تتمثل في "الالتزام مقابل الالتزام"، مشدداً على أن تنفيذ التعهدات المتبادلة يمثل حجر الأساس لأي تقدم حقيقي في العلاقات بين الطرفين. وأضاف أن تقديم تفسيرات تختلف بصورة جوهرية عن النصوص المتفق عليها من شأنه أن يقوض فرص نجاح الاتفاق ويعيد أجواء التوتر وعدم اليقين إلى الواجهة من جديد.

 

وفي منشور عبر منصة "إكس"، وجّه المتحدث الإيراني انتقادات مباشرة للإدارة الأميركية، معتبراً أنها لم تُظهر في أي مرحلة سابقة ما يكفي من المصداقية في تعاملها مع الشعب الإيراني. وأشار إلى أن طهران دخلت المسار الدبلوماسي رغم امتلاكها ما وصفها بـ"الأسباب المنطقية" التي تدفعها إلى عدم الثقة بواشنطن، إلا أنها اختارت الانخراط في المفاوضات بحسن نية أملاً في إنهاء الحرب وتخفيف حدة التوترات الإقليمية.

 

وأكد بقائي أن القيادة الإيرانية والشعب الإيراني يدركان أن التوقيع على الاتفاقات لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات أو العداء القائم، مشيراً إلى أن التجارب التاريخية الممتدة على مدار العقود الماضية عززت لدى طهران قناعة بضرورة التعامل بحذر شديد مع أي تعهدات أميركية. وأضاف أن إيران ستواصل متابعة تنفيذ بنود التفاهمات بدقة، مع اتخاذ خطواتها المقبلة بناءً على تقييم واقعي للتطورات السياسية والميدانية.

 

وتعكس هذه التصريحات حجم الحذر الإيراني تجاه مستقبل المفاوضات، خاصة في ظل استمرار الخلافات حول عدد من الملفات الإقليمية والأمنية التي تشكل نقاطاً خلافية رئيسية بين البلدين. ويرى مراقبون أن الخلاف الحالي لا يتعلق فقط بتفسير بنود مذكرة التفاهم، بل يمتد إلى أزمة أعمق ترتبط بانعدام الثقة التاريخي الذي يطبع العلاقات بين واشنطن وطهران منذ عقود.

 

وفي سياق متصل، ردت الخارجية الإيرانية على التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال زيارته إلى دولة الإمارات، والتي تناول فيها الدور الإيراني في المنطقة وعلاقة طهران بالحركات والقوى الحليفة لها في عدد من الدول العربية.

 

واعتبر بقائي أن تصريحات روبيو تعكس استمرار النهج الأميركي القائم على تحميل إيران مسؤولية الأزمات الإقليمية، مؤكداً أن تحقيق السلام والاستقرار في منطقة غرب آسيا لا يمكن أن يتحقق من خلال ممارسة الضغوط على طهران أو توجيه الاتهامات إليها، بل عبر إنهاء التدخلات الأميركية في شؤون المنطقة ووضع حد للاحتلال الإسرائيلي وما يرافقه من صراعات مستمرة.

 

وأشار المسؤول الإيراني إلى أن الرأي العام في المنطقة بات أكثر وعياً بطبيعة الصراعات القائمة، مؤكداً أن محاولات تبرير السياسات الأميركية أو الإسرائيلية لم تعد قادرة على إقناع الشعوب التي عانت من الحروب والأزمات المتلاحقة. وأضاف أن السلام الحقيقي سيظل بعيد المنال ما دامت السياسات العسكرية والتدخلات الخارجية مستمرة، على حد وصفه.

 

كما اتهم بقائي إسرائيل بمواصلة شن الحروب وارتكاب انتهاكات واسعة بحق شعوب المنطقة، معتبراً أن الدعم الأميركي المستمر لها يمثل أحد أبرز العوائق أمام أي جهود حقيقية لتحقيق الاستقرار. وشدد على أن معالجة جذور الأزمات الإقليمية تتطلب تغييراً جوهرياً في المقاربة السياسية المتبعة من قبل واشنطن وحلفائها.

 

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أكد، خلال حديثه في الإمارات، أن إنهاء الصراعات في المنطقة يتطلب معالجة ملف الصواريخ الإيرانية ونشاط الجماعات المتحالفة مع طهران في عدد من الساحات الإقليمية. وقال إن استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من قبل ما وصفهم بـ"وكلاء إيران" يمثل عاملاً رئيسياً في استمرار التوترات، مشيراً إلى أن مذكرة التفاهم تتضمن معالجة هذه القضايا ضمن مراحل التفاوض المقبلة.