كشفت مصادر مطلعة بوزارة الإسكان عن مفاوضات مكثفة مع شركات خليجية لشراء نحو 63 فدانا بمدينة القصير في البحر الأحمر، بقيمة مبدئية تصل إلى 130 مليون دولار، لإقامة مشروعات سياحية جديدة.

 

وبالتالي، لا تبدو الصفقة مجرد استثمار سياحي معزول، بل حلقة جديدة في سياسة بيع المواقع الساحلية المميزة، بينما تتحول الأرض المصرية إلى أصل مالي سريع لإنقاذ حكومة غارقة في أزمات العملة والديون.

 

كما أن اختيار القصير، بما تملكه من موقع على ساحل البحر الأحمر وذاكرة اجتماعية وسياحية، يكشف اتجاها رسميا لتحويل المدن الشاطئية إلى مساحات مغلقة لرأس المال الخليجي لا للمصريين.

 

لذلك، تتجاوز المسألة سؤال السعر والمقدم والفائدة، لتصل إلى سؤال السيادة الاقتصادية: من يملك الشاطئ، ومن يقرر مستقبل المدينة، ومن يستفيد فعليا من الفنادق والمنتجعات بعد البيع.

 

ومن ثم، تأتي مفاوضات القصير بعد رأس الحكمة وسوماباي وعلم الروم ومدينة مدى، في سلسلة صفقات ضخمة تضع الأرض في قلب نموذج اقتصادي يبيع الجغرافيا بدل إنتاج الثروة.

 

الأرض الساحلية كخزينة دولارية

 

غير أن مصادر ملف الطروحات أوضحت أن الأرض محل التفاوض تقع على ساحل البحر الأحمر، وتبلغ قيمتها المبدئية 130 مليون دولار، مع ربط الصفقة بزيادة الوحدات الفندقية واستقبال السياح الأجانب.

 

علاوة على ذلك، اشترطت وزارة الإسكان سداد 20% من قيمة الأرض مقدما، ثم تقسيط الباقي على أقساط سنوية متساوية بفائدة ثابتة 5% تبدأ بعد 3 سنوات من التخصيص النهائي.

 

بناء على ذلك، لا تبيع الدولة الأرض فقط، بل تمنح المستثمر فترة سماح طويلة حتى يبدأ تشغيل المشروع وجني العوائد، بينما يدفع المصري ثمن الأزمات اليومية نقدا وبلا سماح.

 

في المقابل، تستخدم الحكومة خطاب الاستثمار والتشغيل والسياحة لتبرير الطروحات، لكنها لا تقدم للرأي العام تقييما شفافا لسعر الأرض، ولا لعوائدها المستقبلية، ولا لحقوق السكان المحليين.

 

ثم إن مدينة القصير ليست أرضا فارغة بلا تاريخ، بل مجتمع ساحلي قديم يعيش على الصيد والسياحة والعمل المحلي، وأي مشروع مغلق قد يعيد تشكيل المدينة فوق رؤوس أهلها.

 

كذلك، يرى الباحث العمراني يحيى شوكت أن سياسات الأرض في مصر ترتبط باختلال عميق في العدالة العمرانية، حيث تتحول الأراضي العامة إلى أداة جذب استثماري لا حق اجتماعي.

 

وفوق ذلك، فإن طرح الأراضي الساحلية للمستثمر الأجنبي يفاقم فجوة الوصول إلى البحر، فالشاطئ الذي كان مجالا عاما يتحول تدريجيا إلى منتج فاخر لا يدخله إلا القادرون.

 

صفقات متتالية وبيع بالجملة

 

من ناحية أخرى، تأتي مفاوضات القصير بعد توقيع عقد تطوير أرض مشروع سوماباي بين إعمار الإماراتية وجولدن كوست، على مساحة تقارب 10 ملايين متر مربع باستثمارات متوقعة نحو 900 مليار جنيه.

 

غير أن هذه الصفقة لم تكن وحدها، إذ شهد رئيس الوزراء توقيع شراكة بين ميدار المصرية وماجد الفطيم الإماراتية لتطوير مشروع عمراني في مدينة مدى بالقاهرة الجديدة باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار.

 

إضافة إلى ذلك، سبق أن وقعت الحكومة صفقة رأس الحكمة مع شركة أبوظبي التنموية الإماراتية القابضة بقيمة 35 مليار دولار، وهي الصفقة التي دشنت موجة أكبر من بيع المواقع الساحلية.

 

كما أن الاتفاق مع الديار القطرية لتطوير منطقتي سملا وعلم الروم بالساحل الشمالي، باستثمارات تقديرية 29.7 مليار دولار، أكد أن النموذج لم يعد استثناء بل سياسة متكررة.

 

لزيادة وضوح الصورة، فإن الخليج لا يشتري مشروعا واحدا فقط، بل يتمدد على خريطة المواقع الأثمن: الساحل الشمالي، البحر الأحمر، القاهرة الجديدة، ومدن تتحول تدريجيا إلى محافظ استثمارية.

 

لذلك، يحذر الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق في كتاباته من تحويل أصول الدولة إلى مورد سريع لسد العجز، لأن البيع لا يصنع اقتصادا منتجا بل يؤجل الانفجار.

 

ومن ثم، فإن خطورة النموذج أنه يربط إنقاذ العملة ببيع الأرض، فإذا انتهت الحصيلة الدولارية بقيت الدولة بلا أصول جديدة، وبلا إنتاج حقيقي، وبلا خطة تنمية مستقلة.

 

السياحة لمن والغنيمة لمن

 

في السياق نفسه، تروج الحكومة للمشروعات السياحية بوصفها مصدرا للعملة الصعبة وفرص العمل، لكن التجربة تقول إن الوظائف غالبا منخفضة الأجر، بينما تذهب القيمة الأكبر للأرض والتطوير والعوائد العقارية.

 

على الجانب الآخر، يرى الصحفي الاقتصادي وائل جمال أن الأزمة المصرية لا تحل بتدفقات دولارية مؤقتة، إذا ظلت بنية الاقتصاد قائمة على الدين والريع والصفقات العقارية لا الإنتاج.

 

علاوة على ذلك، فإن تحويل الساحل إلى منتج استثماري مغلق يخلق سياحة مفصولة عن السكان، لا تنعش المدينة بقدر ما تعيد تنظيمها لخدمة الفنادق والمارينا والمساكن الفاخرة.

 

بناء على ذلك، يصبح السؤال عن القصير سؤالا عن مصير المدن الصغيرة أمام رأس المال الكبير، وهل ستستفيد من المدارس والمستشفيات وفرص العمل، أم ستدفع ثمن الإزاحة وغلاء الأسعار.

 

غير أن أخطر ما في موجة الاستحواذ أنها تجري بمنطق التفاوض المغلق، حيث يعرف المواطن النتيجة بعد الاتفاق، بينما تغيب الرقابة الشعبية على أصل عام يفترض أنه ملك للأجيال.

 

كما أن الحكومة التي تبيع اليوم باسم الأزمة الاقتصادية لا تشرح لماذا وصلت إلى هذه الأزمة، ولا لماذا أصبحت الأرض هي العلاج الوحيد، ولا من يتحمل مسؤولية إدارة الفشل.

 

وبالتالي، فإن عروض القصير ليست مجرد فرصة استثمارية، بل علامة على دولة تبيع مواقعها الأجمل لتشتري وقتا سياسيا واقتصاديا، بينما تضيق الأرض والبحر على أصحاب البلد.

 

وفي النهاية، من رأس الحكمة إلى علم الروم وسوماباي والقصير، يتقدم الخليج كمشتر قوي، وتتراجع الدولة كبائع مضطر، ويبقى المواطن المصري خارج الصفقة، يرى أرضه تتحول إلى عقود مغلقة.