بضع ساعات فقط تنعّم فيها سيد علي فهيم، المعروف إعلاميًا بـ"سيد مشاغب"، قائد "الوايت نايتس" بنسيم الحرية بين أهله وأصدقائه الذين احتفلوا بتواجده بينهم عقب الإفراج عنه بعد أن أمضى 11 عامًا داخل السجن، قبل أن يتم القبض عليه مجددًا بعد ساعات قليلة من خروجه.
كانت التهمة هذه المرة التي واجهها "مشاغب"، هي: التجمهر وحيازة ألعاب نارية، وذلك بعد أن تجمّع عدد من أصدقائه وأهالي المنطقة لاستقباله والاحتفال بعودته، ليتم القبض عليه مجددًا وإحالته إلى النيابة التي قررت إحالته ومعه خمسة من أصدقائه إلى محكمة الجنايات.
صدمة كبيرة
كان الأمر مفاجئًا إلى حد الصدمة ليس فقط لأسرة "مشاغب" والمقربين منه، بل حتى لأولئك الذين لا تربطه بهم صداقة ولا سابق معرفة، الذين أبدوا دهشتهم من التنكيل به عد كل هذه السنوات التي أمضاها داخل السجن.
ما فعله أصدقاء "مشاغب" من إطلاق الشماريخ والألعاب النارية احتفاءً به هو أمر معتاد في مصر، ولا يعد خروجًا على النسق المعتاد في المناسبات الاحتفالية والأعراس، بخاصة وأن القضية خلت من أي بلاغات أو شكاوى تتعلق بوقوع إصابات أو خسائر مادية أو أعمال عنف، كما تضمنت التحقيقات شهادات من عدد من أهالي المنطقة أكدوا خلالها عدم وقوع أي أعمال ترويع أو إزعاج للسكان، كما تذرعت وزارة الداخلية في تبرير القبض عليه.
بدا الأمر للكثيرين وكأن هناك إمعانًا ورغبة جامحة في التنكيل بـ "مشاغب"، كما هو الحال تجاه الكثير من الشباب الذين أفنوا زهرة شبابهم داخل السجون، في اتهامات كيدية، من أجل تكميم أفواه المعترضين على آلة القمع والبطش الأمني.
إلا أنه من غير المرجح أن الشاب الذي ظهر في صور متداولة له أثناء الاحتفال بالإفراج به وهو يضع يده على أذنيه، كان عازمًا على أن يكون مصدر إزعاج أو أذى، وأنى له ذلك وهو الذي لم يمض على خروجه سوى ساعات فقط.
لكنه كان ضحية لاستراتجية النظام الذي يزعجه النقد ويغضبه الهجوم، حتى يكون عبرة لمن يعتبر، وحتى لا يفكر أحد في أن يجهر برأيه معارضًا لنظام بات أعداؤه أكثر من أنصاره، وبات كارهوه أكثر من محبيه، في ظل سياساته القاسية التي أرهقت المصريين، وجعلتهم يصبون عليه اللعنات صبيحة كل يوم.
التنكيل بطبيبة الشاطبي
لم تكن المخرجة والطبيبة أمنية سويدان بأفضل حال من "مشاغب"، بعد أن تجرأت وكشفت عن "العنف التوليدي" في مستشفى الشاطبي بالإسكندرية أثناء فترة تدريبها كطبيبة امتياز عام 2020، بعد أن أحالتها النيابة العامة إلى المحاكمة الجنائية بتهمة نشر أخبار كاذبة، على خلفية شهادتها التي أثارت جدلاً واسعًا عبر حسابها على موقع "فيسبوك"، وتحدثت فيها عن التجاوزات والانتهاكات الجسدية والبدنية التي تعرضت لها المريضات.
ما ذكرته سويدان في شهادتها من المعلوم للكثيرين في مصر، والذين قادهم الحظ العاثر إلى الولادة بالمستشفيات الحكومية، لكنه نكأ الجراح وكشف عن عمق المأساة التي تعانيها النساء الحوامل على يد أطباء وممرضات عديمي الرحمة والإنسانية.
لكن ربما ما قالته كان صادمًا أو فاضحًا لما يجري ويتم التكتم عليه داخل جدران تلك المستشفيات، من انتهاك وتحرش جنسي بمريضات، فضلاً عن الإساءة البدنية واللفظية لهن، فضلاً عن ادعاءات تتعلق برفض تقديم خدمات طبية أو تأخيرها فى بعض الحالات الحرجة، كما روت الطبيبة الشابة في شهادتها.
كان من الأولى أن يتم فتح تحقيق فيما تضمنته شهادة الطبيبة من قبل جامعة الإسكندرية، التي ادعت في البداية أنها ستحقق فيما أوردته في منشورها، قبل أن يتفاجأ الجميع بالقبض على سويدان من منزلها في مدينة دمنهور بالبحيرة، وإحالتها إلى النيابة لمواجهة اتهامات بنشر أخبار كاذبة بناءً على بلاغ تقدمت به الجامعة.
اغتيال السمعة
لم تكتف سلطات التحقيق بالتواطؤ ضد الطيبيبة، بل شاركت في محاولة لاغتيال سمعتها، بعد تسريب أنباء إلى الصحف ووسائل الإعلام، تضمنت ادعاءات بأنها تعاني من مرض نفسي، حتى يبدو كلامها متسقًا مع تلك الادعاءات التي تنال من أهليتها.
وكانت هذه الصيغة التي تم إبراقها إلى الصحف "موحدة" ومتفقًا عليها، حتى يتم التغطية على الانتهاكات التي تشهدها مستشفيات المحروسة، والتعتيم على ما يجرى بداخلها، على طريقة: كله تمام يا أفندم.
سويدان التي أحيلت إلى المحاكمة انقطعت صلتها عن العالم الخارجي منذ القبض عليها، وحتى بعد إخلاء سبيلها بكفالة 20 ألف جنيه، وأغلق حسابها في "فيسبوك"، وهو ما يبدو رضوخًا لإرادة "الباشا" الذي أزعجه ما أثارته من ضجيج، مع ذلك توالت الشهادات، وكسرت الكثير من النساء حاجز الصمت لتروي عن شهادتهن ومعاناتهن داخل المستشفيات الحكومية أثناء الولادة، لتفضح نظامًا بأكمله، الذي يغطي قبحه وندوبه بالمساحيق، وأنى له والكل يدرك حقيقته.

