لم يكن انهيار المنظومة التعليمية والصحية في مصر مجرد نتيجة طبيعية لسوء الإدارة أو نقص الموارد، بل أصبح جزءًا من معادلة حكم أكثر خطورة: مجتمع مرهق، خائف، صامت، لا يجد وقتًا ولا قدرة على السؤال أو الاعتراض. تحت شعار غير معلن عنوانه “الصمت مقابل الأمان”، جرى دفع المصريين إلى قبول التدهور كقدر، والسكوت عن الفشل كضريبة للبقاء بعيدًا عن بطش السلطة.
في السنوات الأخيرة، تحولت المدرسة الحكومية إلى مكان عاجز عن صناعة المعرفة، والمستشفى العام إلى مساحة انتظار ووجع وإهانة. الأسرة المصرية لم تعد تسأل فقط عن جودة التعليم، بل عن قدرتها على دفع ثمن الدروس الخصوصية. ولم تعد تبحث عن علاج لائق، بل عن سرير، أو طبيب، أو دواء، أو فرصة نجاة. وبين التعليم المنهك والصحة المتداعية، تكشف مصر عن مأساة أعمق: دولة تنفق على السيطرة أكثر مما تنفق على الإنسان.
استراتيجية قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لم تقم فقط على القمع المباشر، بل على إنهاك المجتمع. حين يصبح المواطن مشغولًا برسوم المدارس، وفواتير العلاج، وأسعار الدواء، وطوابير المستشفيات، ومصاريف الدروس، يصبح أقل قدرة على الاحتجاج. وحين تتراجع الطبقة الوسطى تحت ضغط الغلاء، ويتحول التعليم الجيد والعلاج الآمن إلى امتياز طبقي، يصبح الصمت هو الخيار المفروض، لا الاختيار الحر.
هنا يظهر جوهر المعادلة: السلطة لا تحتاج فقط إلى إسكات الأصوات، بل إلى تفكيك أسباب القوة داخل المجتمع. والتعليم القوي يصنع وعيًا، والصحة الجيدة تحفظ كرامة الإنسان، والاثنان معًا يشكلان مواطنًا قادرًا على السؤال والمحاسبة. لذلك فإن انهيارهما لا يمكن فصله عن بناء دولة استبداد تريد شعبًا خائفًا، منهكًا، ومشغولًا بالنجاة اليومية.
أولًا: تعليم منهار يصنع الخضوع بدل الوعي
حين نتحدث عن انهيار التعليم، فنحن لا نتحدث عن أزمة مدارس فقط، بل عن تدمير منظم لرأس المال البشري. التعليم هو الاستثمار الحقيقي لأي دولة تريد المستقبل، لكن السلطة في مصر اختارت طريقًا معاكسًا: مشروعات ضخمة للواجهة، وديون متراكمة، وأولويات لا تضع الإنسان في المركز.
ومن هنا تخدم رؤية د. هاني توفيق هذا المحور؛ فهو من الأصوات الاقتصادية التي طالما ربطت بين التنمية الحقيقية والاستثمار في الإنسان، لا في الخرسانة والمظاهر. فالدولة التي لا تبني تعليمًا قويًا لا تصنع اقتصادًا منتجًا، بل تصنع أجيالًا تخرج من المدارس بلا مهارات حقيقية، ومن الجامعات إلى سوق عمل عاجز عن استيعابها.
المدرسة الحكومية اليوم لم تعد قادرة على أداء دورها الطبيعي. كثافات مرتفعة، معلمون تحت ضغط مادي ومهني، مناهج منفصلة عن الواقع، وتوسع مرعب في الاعتماد على الدروس الخصوصية. وهكذا تحولت مجانية التعليم إلى شعار، بينما يدفع المواطن الثمن الحقيقي خارج أسوار المدرسة.
الأخطر أن هذا النوع من التعليم لا يخلق مواطنًا ناقدًا أو واعيًا، بل يخلق طالبًا مرهقًا، وأسرة مستنزفة، وجيلًا يشعر أن مستقبله مرهون بالمال لا بالكفاءة. وهذه بالضبط بيئة مناسبة للاستبداد؛ لأن المجتمع الذي يفقد تعليمه يفقد قدرته على الفهم والمساءلة.
ثانيًا: صحة متهالكة تدفع الفقراء إلى حافة العجز
المنظومة الصحية تكشف الوجه الأكثر قسوة في معادلة “الصمت مقابل الأمان”. فالمواطن الذي لا يملك ثمن العلاج لا يملك ترف السياسة، والمريض الذي يبحث عن سرير في مستشفى عام لا يملك القدرة على مواجهة سلطة تقول له ضمنيًا: احمد ربك أنك ما زلت موجودًا.
تخدم رؤية وائل النحاس هذا العنوان من زاوية اقتصادية مباشرة؛ فالأزمة الصحية لا تنفصل عن تآكل دخول المواطنين، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وزيادة تكلفة الدواء والخدمات الطبية. حين تتدهور العملة وترتفع تكلفة الاستيراد والإنتاج، يصبح العلاج نفسه عبئًا طبقيًا، لا حقًا إنسانيًا.
في مصر اليوم، لم تعد الصحة العامة ضمانة للفقراء، بل أصبحت اختبارًا يوميًا لقدرتهم على الاحتمال. المستشفيات الحكومية تعاني ضغطًا هائلًا، والقطاع الخاص يبتلع ما تبقى من مدخرات الأسر، والدواء يرتفع سعره أو يختفي، والتحاليل والأشعات صارت كابوسًا ماليًا لكثير من البيوت.
هذا الانهيار لا ينتج فقط مرضًا جسديًا، بل ينتج خوفًا اجتماعيًا. المواطن الذي يرى أن مرضًا واحدًا قد يهدم بيته اقتصاديًا، يختار الصمت. لا لأنه مقتنع، بل لأنه محاصر. وحين يصبح العلاج رفاهية، تتحول الدولة من راعٍ لحقوق الناس إلى سلطة تتركهم وحدهم في مواجهة الألم.
ثالثًا: انهيار التعليم والصحة كسياسة حكم
يربط د. محمد فؤاد في خطابه السياسي والاقتصادي بين غياب الشفافية، وسوء ترتيب الأولويات، وتراجع كفاءة الإنفاق العام. وهذا الربط يخدم جوهر التقرير: ما يحدث في التعليم والصحة ليس مجرد أزمة قطاعية، بل نتيجة لنموذج حكم يرفض المحاسبة ويعاقب السؤال.
فحين تُدار الدولة بلا رقابة حقيقية، وتغيب البرلمانات الفاعلة، ويُحاصر الإعلام، وتُكمم الأصوات، يصبح من الطبيعي أن تنهار الخدمات دون أن يدفع أحد الثمن سياسيًا. في الدول الطبيعية، فشل التعليم والصحة يسقط حكومات. أما في دولة الخوف، فيتحول الفشل إلى خبر عابر، ويُطلب من الناس أن يصمتوا حتى لا يدفعوا ثمن الكلام.
السلطة تعرف أن التعليم والصحة هما أخطر ملفين على وعي المجتمع. فإذا امتلك المواطن تعليمًا جيدًا وصحة لائقة، أصبح أكثر استقلالًا وثقة وقدرة على المطالبة بحقوقه. أما حين يُترك في دائرة الجهل والمرض والديون والخوف، يصبح قابلًا للابتزاز السياسي: إما الصمت، أو المجهول.
ومن هنا تبدو استراتيجية “الصمت مقابل الأمان” أكثر وضوحًا. ليست مجرد قمع أمني، بل هندسة اجتماعية كاملة. تعليم ضعيف، صحة منهارة، اقتصاد ضاغط، إعلام موجه، وسياسة مغلقة. كل ذلك يصنع مواطنًا لا يُطلب منه أن يشارك، بل أن يتحمل. لا أن يحاسب، بل أن يصفق أو يصمت.
وفي الختام فانهيار التعليم والصحة في مصر ليس تفصيلًا إداريًا ولا عطلًا عابرًا في ماكينة الدولة، بل عنوان كبير لفشل مشروع حكم اختار السيطرة على حساب الإنسان. فالدولة التي تترك أبناءها بلا تعليم حقيقي، ومرضاها بلا علاج كريم، لا تبني وطنًا، بل تبني مجتمعًا مكسورًا يسهل إخضاعه.
“الصمت مقابل الأمان” ليست صفقة عادلة، بل فخ سياسي. لأن الصمت لم يمنح المصريين تعليمًا أفضل، ولا علاجًا أكرم، ولا حياة أكثر استقرارًا. الصمت فقط منح السلطة وقتًا أطول لتوسيع الاستبداد، بينما دفع المواطن الثمن من مستقبل أبنائه وصحة أهله وكرامته اليومية.
وهنا تصبح الحقيقة قاسية وواضحة: من يدمّر المدرسة والمستشفى لا يدير دولة، بل يهدم أساس المجتمع. ومن يطلب من الناس الصمت أمام هذا الانهيار، لا يبحث عن الاستقرار، بل يصنع دولة خائفة، مريضة، وجاهلة؛ دولة لا يتكلم فيها أحد، لأن الجميع مشغولون فقط بمحاولة النجاة.

