أكد المهندس إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، في تصريحات تليفزيونية، أن أزمة مخالفات البناء في مصر لا يتحملها المواطن وحده، وأن المسؤولية تمتد إلى المقاولين والجهات التنفيذية والحكومات السابقة.
وتعيد هذه التصريحات أصل الأزمة إلى غياب السكن الكافي وضعف الرقابة وتراخي الإدارة، بعدما وجد ملايين المواطنين أنفسهم أمام مساكن مخالفة بحكم الضرورة، ثم واجهوا إجراءات تصالح معقدة ورسوم مرافق تثقل الدخل المحدود.
وتكشف أزمة مخالفات البناء أن الدولة تعاملت مع النتيجة النهائية بوصفها مخالفة فردية، بينما تجاهلت سنوات طويلة من العجز عن توفير بدائل سكنية مناسبة، وتركت السوق غير المنظم يملأ الفراغ.
ومع تراكم الأزمة، حقق مقاولون أرباحا كبيرة من البناء المخالف والبيع للمواطنين، ثم خرجوا من دائرة المحاسبة الفعلية، بينما بقي المشتري أمام التراخيص الناقصة والتصالح المتعطل وخطر فقدان المرفق.
أزمة سكن صنعت المخالفة قبل أن تعاقب المواطن
قال إيهاب منصور إن جزءا من المشكلة يعود إلى غياب توفير سكن كاف خلال سنوات طويلة، وهو ما دفع مواطنين إلى شراء وحدات في أوضاع غير قانونية أو غير مكتملة الترخيص.
ويضع هذا التشخيص المواطن في موقع مختلف عن الصورة الرسمية المعتادة، لأنه لم يبدأ الأزمة دائما بقرار مخالفة، بل دخل سوقا مضطربا فرضته ندرة السكن المناسب وارتفاع الأسعار وضعف الرقابة.
وعلى مدار عقود، تمدد البناء المخالف داخل المدن والقرى بسبب فجوة واضحة بين الحاجة الفعلية للسكن وقدرة الدولة على توفير وحدات ملائمة بأسعار تناسب الدخل الحقيقي للأسر.
لذلك، لم تكن المخالفات وليدة لحظة واحدة، بل نتيجة تراكمات شاركت فيها حكومات سابقة وجهات تنفيذية غضت الطرف، ومقاولون باعوا وحدات معيبة، ومواطنون بحثوا عن مأوى متاح.
ويرى الباحث العمراني يحيى شوكت أن أزمة الإسكان في مصر ترتبط بسياسات طويلة لم توفر سكنا ملائما لملايين الأسر، رغم إنفاق عام واسع على مشروعات لا تصل دائما إلى الفئات الأشد احتياجا.
وتخدم قراءة شوكت جوهر هذا الملف، لأن البناء المخالف لا ينفصل عن سؤال العدالة السكنية، فكلما ضاقت البدائل القانونية أمام الأسر، توسعت السوق العشوائية التي تبيع الخطر بوصفه سكنا.
كما تكشف شهادات المواطنين في ملف التصالح أن الأسرة غالبا لا تملك القدرة الفنية على مراجعة وضع العقار قبل الشراء، بينما يملك المقاول والمطور والحي والمحليات قدرة أكبر على كشف المخالفة مبكرا.
ومن هنا، يصبح تحميل المواطن وحده كلفة التصالح والإجراءات والعدادات عقابا للحلقة الأضعف، لأن الجهات التي سمحت بالبناء أو ربحت منه لا تتحمل النصيب نفسه من المسؤولية.
رقابة ضعيفة ومقاولون ربحوا من الفوضى
أوضح إيهاب منصور أن بعض المقاولين استفادوا من البناء المخالف وحققوا أرباحا كبيرة دون تحمل تبعات حقيقية، وهو ما يفرض إعادة النظر في توزيع المسؤوليات داخل ملف المخالفات.
وتكشف هذه النقطة خللا مركزيا في إدارة الملف، لأن المقاول الذي بنى وباع وربح غالبا يختفي بعد تسليم الوحدات، بينما يتحمل المالك النهائي كلفة التصالح والغرامات وتعثر المرافق.
وبالتوازي مع أرباح المقاولين، ساهمت الرقابة الضعيفة أو الغائبة في بعض الفترات في تفاقم الأزمة، حيث مر البناء من الحفر إلى السقف والتشطيب والبيع قبل أن تتحرك الجهات المختصة.
ثم جاءت القوانين اللاحقة لتحاول علاج واقع قائم، لكن العلاج نفسه تحول إلى أزمة جديدة بسبب تعدد المستندات والمراحل واللجان، وتباين القرارات بين المحليات، وتأخر البت في الملفات.
ويرى المخطط العمراني ديفيد سيمز أن التوسع العمراني غير الرسمي يستمر عندما تفشل الدولة في إنتاج بدائل عملية، وأن التركيز على المشروعات فائقة الحداثة لا يحل احتياجات السكن اليومية للفقراء.
وتوضح رؤية سيمز سبب اتساع البناء المخالف في مصر، لأن السلطة ركزت على تنظيم النتيجة بالعقوبة والغرامة، بينما تركت سببها قائما في سوق أرض وسكن لا يناسب أغلب الدخول.
كذلك، أظهر قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023 محاولة جديدة لتقنين الأوضاع بعد تعثر القانون السابق، غير أن استمرار الشكاوى يثبت أن تغيير النص لا يكفي إذا بقي التنفيذ معقدا.
وبسبب هذا التعقيد، يتحول ملف التصالح من مسار لتقنين الأوضاع إلى طابور إداري طويل، يدفع فيه المواطن رسوما ويتنقل بين المستندات والانتظار من دون حسم واضح وسريع.
التصالح المتعطل والعدادات الكودية يفتحان جيب محدودي الدخل
أكد إيهاب منصور أن التأخر في حسم ملف التصالح تتحمل مسؤوليته الجهات الحكومية بالأساس، بسبب تعقيد الإجراءات وتعدد مراحلها، رغم وجود قوانين منظمة يفترض أن تسهل إنهاء الأزمة.
ويرتبط هذا التأخر بملفات يومية شديدة الحساسية، لأن المواطن لا ينتظر ورقة قانونية فقط، بل ينتظر توصيل مرفق، أو تقنين عداد، أو إتمام بيع، أو حماية أسرته من الإزالة.
ولذلك، قدم منصور مقترحات لمعالجة مشكلات صب الأسقف والجراجات والتصوير الجوي والمباني غير المكتملة، وهي تفاصيل تكشف أن الأزمة لم تعد نصا عاما بل حالات عملية عالقة.
كما انتقد منصور قرارات التسعير الموحد للعدادات الكودية، معتبرا أنها تمثل عبئا إضافيا على المواطنين، خصوصا محدودي الدخل وأصحاب المعاشات الذين اشتروا وحدات ثم فوجئوا بتكلفة مرافق أعلى.
وفي مايو 2026، تحدثت تقارير اقتصادية عن رفع سعر كهرباء العدادات الكودية من 2.14 جنيه إلى 2.74 جنيه للكيلووات ساعة، بنسبة تصل إلى 28%، ما زاد شكوى السكان.
وتكشف هذه الزيادة أن الدولة لا تكتفي بتعطيل التصالح، بل تحاسب السكان بسعر أعلى لحين إنهاء وضع قانوني لا يتحكمون وحدهم في بطء إجراءاته ولا في تعدد لجانه.
وترى الباحثة منال الطيبي، وهي من الأصوات المرتبطة بملف الحق في السكن والعدالة العمرانية، أن السياسات العمرانية تفشل عندما تتعامل مع السكن كعبء تنظيمي لا كحق اجتماعي.
وتدعم هذه الرؤية انتقاد تسعير العدادات الكودية، لأن تحويل المرفق الأساسي إلى أداة ضغط مالي يضرب الأسر الأضعف، ولا يعالج فساد البناء ولا أرباح المقاولين ولا غياب الرقابة.
وبين صعوبة التصالح وارتفاع تكلفة العداد، يجد المواطن نفسه محاصرا مرتين، مرة لأنه اشترى في سوق غير منضبط، ومرة لأن الحكومة تطالبه وحده بدفع كلفة إصلاح خلل شاركت فيه أجهزة كثيرة.
ولا يقتصر العبء على مالك الوحدة، لأن أصحاب المعاشات والمستأجرين والأسر الشابة يدفعون ثمن الكهرباء والمرافق من دخل ثابت أو متآكل، بينما يتأخر تقنين المبنى شهورا وسنوات.
وتزيد أزمة الجراجات والمباني غير المكتملة والتصوير الجوي تعقيد الملف، لأن كثيرا من الحالات لا تدخل القوالب الإدارية الجاهزة، فتظل معلقة بين قانون يسمح بالتصالح وتنفيذ يضيق على الناس.
ومن ناحية أخرى، يكشف استمرار الأزمة أن الحكومة أدارت مخالفات البناء بمنطق تحصيل الرسوم لا بمنطق الحل الشامل، فلم تضع آلية واضحة لمحاسبة المقاول والموظف المتراخي والجهة التي سمحت بالمخالفة.
وبذلك، يتحول التصالح من فرصة لتسوية عادلة إلى باب جديد للضغط المالي، لأن الدولة تطلب من المواطن دفع ثمن المخالفة، ثم تطلب منه دفع تكلفة أعلى للمرافق، ثم تؤخر الحسم.
وفي النهاية، لا تكشف أزمة مخالفات البناء عن مواطن خالف القانون فقط، بل تكشف نظاما ترك أزمة السكن تتفاقم، وسمح لمقاولين بالربح، وأدار التصالح بإجراءات مرهقة، ثم مد يده إلى جيب السكان.
وتبقى المعالجة الجادة مشروطة بتوزيع المسؤولية بوضوح، ومحاسبة المقاولين والجهات التنفيذية، وتبسيط التصالح، وخفض أعباء العدادات الكودية، لأن تحميل المواطن وحده يكرس الظلم ولا يغلق ملف المخالفات.

