لم تعد المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد صراع عسكري إقليمي محدود، بل تحولت إلى أزمة دولية متعددة الأبعاد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتوازنات السياسية داخل العواصم الثلاث: واشنطن وتل أبيب وطهران.
وتكشف قراءات الصحف والمجلات الأمريكية الكبرى أن الحرب تجاوزت حدود الميدان العسكري، لتصبح اختبارًا لمستقبل القيادة السياسية في المنطقة، ولمعادلات الردع والنفوذ، ولقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل موجات جديدة من الاضطراب.
إيران الجديدة.. صعود القبضة العسكرية
سلطت صحيفة نيويورك تايمز الضوء على التحولات العميقة داخل بنية النظام الإيراني، معتبرة أن الحرب أفرزت قيادة أكثر ميلًا إلى الطابع العسكري وأقل ارتباطًا بالمقاربات الدينية التقليدية التي طبعت مراحل سابقة.
وترى الصحيفة أن طهران باتت تعتمد بصورة أكبر على سياسة الردع بالقوة، وأنها أصبحت أكثر استعدادًا لتحمل الضغوط الاقتصادية والعسكرية مقابل الحفاظ على قدراتها النووية والصاروخية، ما يجعل أدوات العقوبات والتهديد العسكري أقل فاعلية في التأثير على قراراتها.
وبحسب خبراء استندت إليهم الصحيفة، فإن القيادة الإيرانية تعتقد أنها تجاوزت أخطر مراحل المواجهة، ولذلك ستواصل التمسك بالملفات التي تعتبرها أساسية لأمنها القومي، رغم إدراكها للحاجة إلى اتفاق يخفف من أزمتها الاقتصادية ويسمح بزيادة صادرات النفط واستعادة جزء من الأموال المجمدة في الخارج.
أسواق الطاقة تدفع الثمن
في المقابل، ترى نيويورك تايمز أن الضغوط الواقعة على الإدارة الأمريكية قد تكون أكبر من الضغوط المفروضة على إيران، في ظل المخاوف المتزايدة من تأثير الحرب على أسواق الطاقة العالمية.
وتشير الصحيفة إلى أن المفاوضات الجارية قد تفضي إلى اتفاق أولي محدود يركز على إعادة فتح مضيق هرمز وتأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا، مثل البرنامج النووي الإيراني والأصول المجمدة، بما يبقي المنطقة في حالة من "اللاحرب واللاسلم" لفترة طويلة.
أما صحيفة بوليتيكو فاعتبرت أن الحرب أصبحت الملف الأكثر حضورًا على أجندة قمة مجموعة السبع، متقدمة على قضايا التجارة والتعريفات الجمركية التي كانت تتصدر الاهتمام خلال السنوات الماضية.
ووفقًا للصحيفة، فإن الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز أدت إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، الأمر الذي انعكس على معدلات التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا، ودفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا.
كما أبدى القادة الأوروبيون قلقًا متزايدًا من تداعيات الحرب على اقتصاداتهم، خاصة في ظل اعتماد القارة على استقرار إمدادات الطاقة القادمة عبر الممرات البحرية في الشرق الأوسط.
جدل أمريكي.. بين الكلفة والتسوية
وفي الولايات المتحدة، تناولت صحيفة ذا هيل الجدل المتصاعد حول الاتفاق الإطاري المتداول مع إيران.
وأشارت إلى انتقادات حادة وجهها النائب الديمقراطي سيث مولتون للاتفاق المقترح، معتبرًا أنه لا يحقق مكاسب استراتيجية تتناسب مع حجم التكاليف التي تحملتها الولايات المتحدة خلال الحرب.
وأوضح مولتون أن واشنطن أنفقت ما يقارب 100 مليار دولار، فضلًا عن الخسائر البشرية، بينما يقتصر الاتفاق المطروح على إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما وصفه بأنه مكسب محدود مقارنة بحجم التضحيات.
ورغم ذلك، أقر بأن إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية يبقى الخيار الأقل كلفة مقارنة باستمرار النزاع.
نتنياهو بين رهانات الحرب واستحقاقات السياسة
على الجانب الإسرائيلي، ركزت مجلة فورين بوليسي على التداعيات السياسية للحرب داخل إسرائيل، معتبرة أن مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بنتائج المواجهة مع إيران.
ووفق تحليل المجلة، كان نتنياهو يعوّل على تحقيق ما وصفه بـ"النصر الكامل" في عدة ساحات تشمل إيران ولبنان وغزة، إلا أن النتائج الميدانية لم تحقق الأهداف المعلنة بصورة كاملة، ما انعكس على موقعه السياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وتظهر استطلاعات الرأي، بحسب المجلة، انقسامًا واضحًا داخل المجتمع الإسرائيلي بين مؤيدين لاستمرار العمليات العسكرية بدافع تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023، وبين أصوات متزايدة تنتقد كلفة الحرب البشرية والاقتصادية واستنزاف قوات الاحتياط.
كما ترى المجلة أن نتنياهو يحاول توظيف التصعيد مع إيران لإعادة ترميم صورته السياسية، في وقت لا تزال المعارضة عاجزة عن تشكيل جبهة موحدة قادرة على منافسته بفاعلية.
صعود وحيدي وتغلب التيار المتشدد
وفي طهران، ركزت صحيفة وول ستريت جورنال على تنامي نفوذ القائد الجديد للحرس الثوري أحمد وحيدي، الذي بات أحد أبرز صناع القرار خلال المرحلة الحالية.
وتصف الصحيفة وحيدي بأنه يمثل التيار الأكثر تشددًا داخل النظام الإيراني، والذي يفضل استخدام القوة العسكرية لتعزيز الموقف التفاوضي بدلًا من تقديم تنازلات مبكرة للولايات المتحدة.
وتشير إلى أنه لعب دورًا مؤثرًا في قرار إطلاق الصواريخ الأخيرة باتجاه إسرائيل، في خطوة اعتُبرت دليلًا على صعود التيار العسكري داخل مجلس الأمن القومي الإيراني على حساب الأصوات الداعية إلى التهدئة.
كما يربط وحيدي، وفق الصحيفة، بين المفاوضات النووية والملفات الإقليمية الأخرى، بما في ذلك دعم حلفاء إيران في المنطقة والتحكم بالممرات الحيوية للطاقة وعلى رأسها مضيق هرمز.
وفي المجمل، تتفق معظم التحليلات الأمريكية على أن الحرب تجاوزت كونها مواجهة عسكرية تقليدية، لتصبح أزمة عالمية تؤثر في الاقتصاد والسياسة والأمن الدولي، وتعيد تشكيل موازين القوى والنفوذ في الشرق الأوسط والعالم.

