صادقت اللجنة الوزارية الإسرائيلية للتشريع، الأحد 31 مايو 2026، على مشروع قانون جديد يستهدف تقييد رفع الأذان في المساجد داخل الأرض المحتلة، عبر فرض تصاريح مسبقة لتشغيل مكبرات الصوت، ومنح الشرطة صلاحيات وقفها ومصادرتها وفرض غرامات تصل إلى 50 ألف شيكل.

 

وتأتي الخطوة بدفع من حزب عوتسما يهوديت بزعامة وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، ومن رئيس لجنة الأمن القومي في الكنيست تسفيكا فوغل، في سياق سياسي لا ينفصل عن صعود اليمين الديني والقومي داخل حكومة الاحتلال، ومحاولته تحويل الأذان من شعيرة دينية إلى ملف أمني قابل للعقاب والمصادرة.

 

تصاريح مسبقة تجعل الأذان استثناء لا حقا

 

يقوم مشروع القانون على منع إقامة أو تشغيل أي منظومة مكبرات صوت في المساجد من دون الحصول على تصريح مسبق، وهو ما يحول رفع الأذان عبر المكبرات من ممارسة دينية معتادة إلى إجراء مشروط بموافقة سلطات الاحتلال وتقديرها الفني والأمني.

 

ويعتمد المقترح مبدأ الحظر كقاعدة عامة والتصريح كاستثناء، إذ يشترط فحص شدة الصوت ووسائل الحد منه وموقع المسجد وقربه من المناطق السكنية وتأثيره على السكان المحيطين قبل منح التصريح، وفق الصيغة التي قدمها فوغل بدعم بن غفير.

 

ويعني ذلك أن المسجد لن يكون صاحب الحق الأصلي في تشغيل مكبرات الصوت، بل سيصبح مطالبا بإثبات أهليته للحصول على استثناء، وهي صياغة تمنح السلطات مساحة واسعة لرفض التصاريح أو تقييدها أو ربطها بشروط قد تتغير حسب المدينة والشرطة والظرف السياسي.

 

كما يختلف المشروع الحالي عن محاولات سابقة عرفت باسم قانون الأذان، لأن المقترحات القديمة ركزت غالبا على ساعات الاستخدام أو مستويات الصوت، بينما تعتمد الصيغة الجديدة نظام ترخيص دائم يربط المسؤولية القانونية بالجهة المشغلة مباشرة، ويوسع أدوات الإنفاذ والعقوبة.

 

صلاحيات للشرطة وغرامات ثقيلة على المساجد

 

يمنح مشروع القانون الشرطة الإسرائيلية صلاحية مطالبة المسؤولين عن المسجد بوقف استخدام مكبرات الصوت بشكل فوري عند الاشتباه بمخالفة شروط التصريح، كما يسمح بمصادرة منظومة الصوت إذا استمرت المخالفة، بما ينقل إدارة الأذان من المجال الديني إلى يد جهاز أمني.

 

ويفرض المشروع غرامة تصل إلى 50 ألف شيكل على تشغيل أو إقامة منظومة مكبرات صوت من دون تصريح، إضافة إلى غرامة قدرها 10 آلاف شيكل عند مخالفة شروط التصريح الممنوح، وهي عقوبات مالية مرتفعة تستهدف ردع المساجد وإداراتها أكثر مما تستهدف معالجة ضوضاء مزعومة.

 

وتشير المبادرة إلى تخصيص عائدات الغرامات لصندوق حكومي، وهو تفصيل يزيد خطورة المشروع، لأن العقوبة لا تقف عند وقف الصوت أو ضبط المخالفة، بل تتحول إلى مورد مالي رسمي مرتبط بإنفاذ قيود على شعيرة دينية تخص الفلسطينيين والمسلمين.

 

وقال بن غفير، بحسب بيانات نشرت عن حزبه، إن أصوات الأذان في أماكن كثيرة تشكل ضجيجا غير معقول يمس جودة الحياة وصحة السكان، بينما قال فوغل إن المسألة ليست دينية بل تتعلق بالصحة العامة، وهي صياغة تستخدم لغة إدارية لتغطية قانون ذي أثر ديني وسياسي مباشر.

 

ومن الناحية العملية، يفتح القانون بابا لإنفاذ انتقائي، لأن تقدير شدة الصوت أو تأثيره على السكان أو الاشتباه بالمخالفة سيبقى في يد الشرطة، وهي المؤسسة التي يقود وزارتها بن غفير، ما يضاعف مخاوف الفلسطينيين من استخدام النص لتضييق يومي على المساجد.

 

مشروع قديم يعود بزخم اليمين المتطرف

 

جاءت المصادقة الحالية بعد سنوات من طرح مشاريع مشابهة في الكنيست تحت مسمى قانون الأذان، لكنها واجهت معارضة حالت دون استكمال مسارها التشريعي، خصوصا عندما اصطدمت بحساسيات دينية وسياسية ورفض عربي وإسلامي وقلق من المساس بحرية العبادة.

 

غير أن المقترح الجديد يعود في لحظة مختلفة، لأن حزب عوتسما يهوديت يسيطر على وزارة الأمن القومي، ويمتلك نفوذا داخل اللجنة البرلمانية المختصة، بينما تستخدم حكومة نتنياهو خطاب الأمن والهوية لتوسيع القيود على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر والقدس المحتلة.

 

وتقول تقارير إسرائيلية إن بن غفير سبق أن دفع الشرطة إلى مصادرة مكبرات صوت من مساجد وفرض غرامات بزعم مكافحة الضوضاء، ما يؤكد أن القانون الجديد لا يبدأ من فراغ، بل يحاول تحويل ممارسة أمنية قائمة إلى إطار تشريعي أشد ثباتا.

 

وفي المقابل، يرى منتقدون فلسطينيون وعرب أن المشروع يمس حرية العبادة والشعائر الدينية، لأنه يستهدف الأذان تحديدا داخل سياق سياسي شديد الاستقطاب، ولا يطرح معالجة عامة لكل مصادر الضوضاء، بل يمنح الشرطة أدوات خاصة تجاه المساجد ومكبراتها.

 

وتكشف عودة القانون بهذا الزخم أن اليمين الإسرائيلي لا يتعامل مع الأذان كصوت فقط، بل كرمز حضور فلسطيني وإسلامي في المجال العام، لذلك يحاول تقليصه عبر التصاريح والغرامات والمصادرة، بدلا من البحث عن ترتيبات محلية متوازنة تحفظ حرية العبادة.

 

وفي النهاية، يضع مشروع قانون الأذان الجديد المساجد أمام معادلة قاسية، فإما الخضوع لنظام تصاريح دائم تملكه الشرطة، وإما مواجهة الغرامات والمصادرة، وهو ما يجعل الأذان في الأرض المحتلة رهينة قرار سياسي وأمني لا حقا دينيا مستقرا.