كشفت شكاوى حجاج السياحة المصريين في موسم الحج 2026 الموافق 1447هـ عن خلل واسع في منظومة الخدمات داخل المشاعر المقدسة، بعد تعاقد جماعي أبرمته غرفة شركات السياحة مع شركة خدمات سعودية واحدة، وانتهى إلى نقص في الطعام والمياه والنظافة وتكدس داخل برج كدانة.
وتضع هذه الأزمة وزارة السياحة والآثار وغرفة شركات السياحة أمام مسؤولية مباشرة، لأن الحاج دفع تكلفة برنامج منظم لا رحلة عشوائية، وانتظر خدمة تليق بموسم ديني شديد الحساسية، لكنه وجد نفسه في مواجهة عقد مركزي لا يراه ومخيم لا يحتمل الأعداد وخدمة لا تطابق ما دفع مقابله.
التعاقد الجماعي يحول الحاج إلى ضحية قرار مركزي
في البداية، تكشف الأزمة أن المشكلة لم تبدأ داخل شركة سياحة منفردة، بل بدأت من طريقة إدارة التعاقد نفسه، حين جرى الاعتماد على تعاقد جماعي مع شركة خدمات سعودية واحدة لتقديم خدمات حجاج السياحة، بما جعل مصير آلاف الحجاج مرتبطا بجهة تنفيذية واحدة.
ثم ظهر الخلل عندما لم تلتزم الشركة السعودية، بحسب الشكاوى المتداولة، ببنود العقد المتفق عليها، فانعكس ذلك مباشرة على مستوى الإعاشة والنظافة والمخيمات، ووجدت الشركات المصرية نفسها أمام حجاج غاضبين رغم أنها لم تكن صاحبة التنفيذ المباشر داخل المشاعر.
وبسبب هذا النظام، فقدت شركات السياحة المصرية جزءا كبيرا من قدرتها على التدخل السريع أو استبدال مقدم الخدمة أو معالجة القصور ميدانيا، لأن التعاقد الجماعي نقل مفتاح الخدمة إلى ترتيب مركزي يصعب تعديله وقت الأزمة، خصوصا في أيام الحج المحدودة.
كذلك يخدم رأي باسل السيسي، نائب رئيس غرفة شركات السياحة سابقا، هذا المحور من زاوية ضرورة التنسيق المصري السعودي لضمان خدمات متميزة، لأن التنسيق لا ينجح عندما يتحول إلى عقد مغلق بلا بدائل تنفيذية وبلا آليات جزاء فورية عند الإخلال.
لذلك لا تكفي الإشارة إلى أن بنود العقد كانت جيدة على الورق، لأن الحاج لا ينتفع بالبند المكتوب إذا غابت الوجبة أو تدهورت النظافة أو تعذر الحصول على مياه كافية، كما أن جودة موسم الحج تقاس بما حدث في المخيم لا بما ورد في الملف التعاقدي.
كما أن إلزام الشركات المصرية بمسار واحد للتعاقد يضرب مبدأ المنافسة، لأن الشركة التي تملك خبرة وسجلا أفضل في اختيار مزودين سعوديين لا تستطيع استخدام خبرتها، بينما يصبح الجميع أسرى مقدم خدمة واحد يملك فعليا قدرة تعطيل الموسم كله عند التقصير.
ومن هنا، يصبح إلغاء نظام التعاقد الجماعي أو إعادة بنائه بشروط صارمة مطلبا لا يحتمل التأجيل، لأن منح الشركات المصرية حرية التعاقد الفردي المباشر مع شركات سعودية مؤهلة، تحت رقابة اللجنة العليا للحج والعمرة، يخلق بدائل ويعيد المسؤولية إلى صاحب البرنامج.
تكدس برج كدانة يفضح فجوة بين السعة المعلنة والواقع
بعد ذلك، كشفت شكاوى برج كدانة عن أزمة تنظيم لا يمكن اختزالها في سوء خدمة عابر، بعدما جرى تسكين 2800 حاج داخل برج تقول الشكاوى إن طاقته الفعلية لا تتجاوز 1400 شخص، وهو فارق يفسر التكدس والعجز في الحمامات ومياه الشرب.
وفي هذا الوضع، لا يعود الحاج مجرد متضرر من رفاهية ناقصة، بل يصبح معرضا لضغط بدني ونفسي داخل مكان مكتظ في أيام شديدة الزحام والحرارة، حيث يحتاج كبار السن والمرضى إلى مساحة وحركة ومرافق نظيفة أكثر من حاجتهم إلى وعود تنظيمية متأخرة.
كما ركزت الشكاوى على النقص الحاد في كميات وجبات الطعام وسوء جودتها، وهي نقطة تمس أساس برنامج الحج السياحي، لأن التغذية في المشاعر ليست تفصيلا خدميا قابلا للتجاوز، بل شرط ضروري لقدرة الحاج على أداء المناسك دون إنهاك أو مخاطرة صحية.
وفي السياق نفسه، جاء غياب عمال النظافة في مخيمات عرفات كدليل على سقوط بند أساسي من بنود الخدمة، لأن النظافة في مناطق التكدس ليست مظهرا خارجيا، بل إجراء وقائي يحمي الحجاج من الأمراض والروائح والتلوث ويمنع تحول المخيم إلى بيئة مرهقة.
وهنا يخدم رأي علاء الغمري، عضو مجلس إدارة غرفة شركات السياحة الأسبق، محور الجودة والسعة، لأنه سبق أن أكد أن خبرة الشركات المصرية أساس في تنظيم الموسم، وحذر في سياقات أخرى من أن تقليص الخدمات أو ضعفها يهدد جودة الحج السياحي.
لذلك تبرز مسؤولية الرقابة المصرية قبل السفر وأثناء التنفيذ، لأن أي عقد يتضمن برج إقامة أو مخيما يجب أن يخضع لمعاينة فعلية للسعة والمرافق وعدد الحمامات ونقاط المياه ومسارات الحركة، لا أن يترك الحجاج يكتشفون بعد الوصول أن الواقع لا يطابق الإعلان.
كذلك فإن الحديث الرسمي السابق عن أبراج كدانة باعتبارها نقلة في خدمات الحج السياحي يضاعف المساءلة، لأن الترويج لمكان يستفيد منه 2800 حاج يجب أن يقابله كشف واضح عن السعة التشغيلية ومعايير التسكين ومعدل الحمامات والخدمات الفندقية الموعودة.
وبناء على ذلك، يجب أن تفتح وزارة السياحة تحقيقا فنيا لا شكليا في ملف كدانة، يشمل عدد الحجاج الفعليين ومساحات الإقامة والمطاعم والمياه ودورات المياه والنظافة، لأن أي فارق بين العقد والتنفيذ يمثل إخلالا يستوجب تعويضا ومحاسبة لا مجرد اعتذار.
التعويض والرقابة شرطا منع تكرار موسم الإهانة
في المقابل، لا تنتهي الأزمة بمجرد عودة الحجاج إلى مصر، لأن الضرر وقع بالفعل في أيام لا تعوض، والحاج الذي دفع تكلفة برنامج سياحي يستحق تعويضا ماليا عاجلا إذا ثبت نقص الطعام أو سوء الإقامة أو غياب النظافة أو التمييز في توزيع المخيمات.
ثم إن شكاوى المحاباة والتمييز في توزيع مساحات المخيمات بين الشركات تفتح بابا أخطر من ضعف الخدمة، لأنها تعني أن بعض الحجاج حصلوا على ظروف أفضل داخل موسم واحد، بينما دفع آخرون الثمن نفسه أو قريبا منه دون مساواة فعلية في المساحة والمرافق.
ومن الناحية الإدارية، يجب أن تحدد وزارة السياحة مسؤولية كل طرف، بداية من غرفة شركات السياحة التي أبرمت التعاقد الجماعي، مرورا بالشركة السعودية المنفذة، وصولا إلى اللجان التي كان يفترض أن تراقب جودة الخدمة داخل المشاعر وتوثق المخالفات فور حدوثها.
وفي هذا المحور، يقدم ثروت عجمي، رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر وخبير السياحة في الصعيد، وظيفة تحريرية مرتبطة بالرقابة العملية، لأن خبرة فروع الغرفة والشركات الميدانية تؤكد أن جودة الخدمة تحتاج متابعة تنفيذية قريبة لا إدارة مركزية بعيدة عن تفاصيل الحاج.
لذلك يصبح تطبيق رقابة لحظية على الشكاوى أقل أهمية من وجود سلطة تصحيح فوري، لأن استقبال البلاغ لا يطعم حاجا ولا ينظف مخيما ولا يفتح حماما مغلقا، ما لم تملك البعثة المصرية صلاحية جزاء وتغيير خدمة وإلزام فوري داخل المشاعر.
كما أن تجربة 2026 تأتي بعد تحذيرات متكررة من فوضى التأشيرات ومخاطر الحج غير المنظم في مواسم سابقة، وكان يفترض أن تجعل الحكومة أكثر صرامة في ضبط كل مسار رسمي، لا أن ينتقل الخلل من بوابة غير مرخصة إلى عقد رسمي مركزي.
وبالتالي، لا تستطيع وزارة السياحة الاكتفاء بأن شركات السياحة خدمت 41 ألف حاج أو أن الموسم شهد تطبيقات رقمية ومبادرات جديدة، لأن الرقم الكبير لا يغطي شكوى الطعام والنظافة والتكدس، والتطبيق الإلكتروني لا يعوض حاجا لم يجد وجبة كافية أو حماما صالحا.
ومن ثم، يجب إعلان تقرير رسمي بعد الموسم يتضمن عدد الشكاوى ونوعها وموقعها والشركة المسؤولة عنها والإجراء المتخذ، مع نشر آلية التعويض، لأن الغموض بعد الحج يحول الشكوى إلى ذكرى مؤلمة، بينما الشفافية تحولها إلى قاعدة تمنع تكرار الخطأ.
كذلك يجب أن يحصل الحاج قبل السفر على عقد مبسط يوضح اسم مقدم الخدمة في السعودية، ومستوى الإقامة، وعدد الوجبات، ومعايير المخيم، وآلية التعويض عند الإخلال، لأن الحاج لا يجب أن يكتشف عند الأزمة أن طرفا ثالثا يتحكم في خدمته.
وفي النهاية، تكشف أزمة الحج السياحي 2026 أن المشكلة ليست في شكوى عابرة أو تكدس مؤقت، بل في طريقة إدارة موسم ديني مدفوع الثمن بعقود مركزية لا تمنح الحاج ضمانة كافية ولا تمنح الشركات المصرية حرية اختيار مقدم الخدمة الأفضل.
وبهذا المعنى، لا يحتاج الحجاج إلى بيانات تطمئنهم بعد العودة، بل يحتاجون إلى تعويض عادل وتحقيق معلن وإلغاء أي نظام يجعلهم رهائن لشركة واحدة، لأن الحج لا يحتمل تجربة فاشلة، وخدمة ضيوف الرحمن لا تقاس بالدعاية بل بالطعام والماء والنظافة والمساحة والكرامة.

