كشفت أزمة معبر أرقين الحدودي بين مصر والسودان عن خلل واسع في تنظيم عودة السودانيين من مصر، حيث تكدس آلاف العائدين بالتزامن مع عيد الأضحى في ظل غياب الحافلات وارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 45 درجة مئوية، ما أدى إلى وقوع وفيات وحالات إغماء نتيجة غياب الخدمات الأساسية داخل المعبر.

 

تعكس هذه الأزمة واقعًا إنسانيًا متدهورًا يواجهه السودانيون العائدون قسرًا بسبب تراجع أوضاعهم المعيشية في مصر، إذ تتحول رحلة العودة إلى مسار محفوف بالمخاطر نتيجة ضعف التنسيق وغياب الرقابة، ما يكشف عجزًا إداريًا مشتركًا يضع العائدين في مواجهة مباشرة مع الإهمال والاستغلال.

 

تكدس العائدين وغياب النقل يكشف فوضى تنظيمية في المعبر

 

في البداية شهد معبر أرقين تكدسًا كبيرًا لمئات العائدين الذين افترشوا الأرض بعد وصولهم  إلى المعبر دون وجود حافلات تقلهم إلى مدنهم داخل السودان، رغم دفعهم مسبقًا تكاليف السفر من القاهرة إلى وجهاتهم النهائية.

 

ثم وثق نشطاء عبر فيديوهات متداولة تكدس العائدين داخل ساحة المعبر في ظل درجات حرارة مرتفعة، وهو ما أدى إلى تفاقم المعاناة اليومية للعالقين الذين اضطروا للبقاء في العراء لساعات وأيام دون أي تنظيم واضح لحركة النقل.

 

كما أرجع مدير المعبر مبارك داود الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل على خط أرقين بسبب انخفاض سعر التذكرة مقارنة بخطوط أخرى، حيث بلغ سعر التذكرة نحو 196 ألف جنيه مقابل أسعار أعلى لخطوط أخرى تصل إلى 260 ألف جنيه.

 

كذلك يوضح هذا التفاوت في الأسعار أن شركات النقل والسائقين فضلوا العمل في الخطوط الأعلى ربحًا، ما أدى إلى نقص حاد في وسائل النقل داخل المعبر وزيادة أعداد العالقين بشكل غير مسبوق.

 

وبحسب الباحث في شؤون الهجرة عمرو عثمان فإن غياب آلية تنظيم ملزمة لشركات النقل يكشف فوضى تشغيلية واضحة، حيث تُترك حركة آلاف المسافرين لعوامل السوق دون تدخل فعلي من الجهات المنظمة.

 

تضارب الروايات بين الشركات والناشطين يفاقم الأزمة

 

في المقابل اتهم عدد من السودانيين شركات النقل بالتسبب في الأزمة بعد تحصيلها تكلفة السفر كاملة ثم عدم توفير الحافلات لاستكمال الرحلة من المعبر إلى المدن السودانية.

 

ثم رد أحد أصحاب شركات النقل بأن الشركات تلتزم فقط بنقل من حجزوا إلى الوجهات النهائية، معتبرًا أن المشكلة تعود إلى نصائح بعض النشطاء بحجز تذاكر حتى معبر أرقين فقط لتقليل التكلفة.

 

كما دفع هذا التضارب في الروايات إلى تعقيد المشهد، حيث لجأ بعض العائدين إلى السفر عبر القطار من القاهرة إلى أسوان ثم الانتقال إلى المعبر بوسائل منفصلة لتقليل التكاليف، ما أدى إلى وصول أعداد غير مدرجة ضمن كشوفات النقل.

 

كذلك أصدرت إحدى شركات النقل بيانًا أوضحت فيه أن الأزمة ناتجة عن ضعف التنسيق مع لجنة الأمل للعودة الطوعية، مشيرة إلى وصول أعداد كبيرة من العائدين خارج الجداول المحددة، ما تسبب في ارتباك حركة الحافلات.

 

ويرى الخبير الاقتصادي وائل جمال أن غياب التنسيق بين الجهات المنظمة وشركات النقل يعكس خللًا مؤسسيًا، حيث تتحول مسؤولية تنظيم حركة آلاف الأفراد إلى مسألة عشوائية تدار بردود الفعل بدل التخطيط المسبق.

 

أزمة إنسانية حادة وانتهاكات وسط غياب الرقابة

 

في السياق نفسه رصدت منصة اللاجئين في مصر تدهورًا إنسانيًا خطيرًا في الجانب السوداني من المعبر، حيث وثقت وفاة ثلاثة أشخاص على الأقل نتيجة الإجهاد الحراري ونقص الخدمات الأساسية.

 

ثم أكدت المنصة أن أكثر من خمسة آلاف شخص يتكدسون في محيط المعبر، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، في ظل غياب أماكن الإيواء والمياه والرعاية الصحية، ما يزيد من مخاطر الإصابة بضربات الشمس والجفاف.

 

كما كشفت المعلومات الميدانية عن نقص حاد في مياه الشرب والخدمات الصحية ودورات المياه، وهو ما يعكس قصورًا واضحًا في الاستعدادات اللازمة للتعامل مع هذه الأعداد الكبيرة من العائدين.

 

كذلك أشارت المنصة إلى وجود ممارسات استغلالية من بعض شركات النقل التي حصلت على كامل قيمة التذاكر ثم امتنعت عن استكمال الرحلة، ما أدى إلى ترك العالقين في ظروف قاسية دون بدائل.

 

وبحسب الباحث الحقوقي حسام بهجت فإن غياب الرقابة الفعالة على شركات النقل يعكس خللًا في حماية حقوق المسافرين، حيث تتحول الأزمة من مشكلة لوجستية إلى انتهاك مباشر للحقوق الأساسية.

 

ارتفاع الأسعار واستغلال العائدين يكشف غياب المحاسبة

 

في جانب آخر ارتفعت أسعار النقل من معبر أرقين إلى الخرطوم إلى نحو 270 ألف جنيه سوداني، بزيادة تجاوزت 50% مقارنة بالأسعار المعتادة، ما يعكس استغلالًا واضحًا لحاجة العائدين.

 

ثم أدى هذا الارتفاع إلى زيادة الأعباء المالية على الأسر التي اضطرت بالفعل إلى العودة بسبب تدهور أوضاعها الاقتصادية، ما يجعل الرحلة أكثر تكلفة وصعوبة في ظل غياب أي رقابة سعرية.

 

كما ساهم عزوف شركات النقل عن العمل على خط أرقين في تفاقم الأزمة، حيث أدى نقص الحافلات إلى استمرار التكدس لفترات طويلة، ما ضاعف من المخاطر الصحية والإنسانية على العالقين.

 

كذلك يوضح استمرار هذه الأزمة أن الجهات المعنية لم تضع آليات فعالة لتنظيم السوق أو ضبط الأسعار، ما سمح بانتشار ممارسات استغلالية دون محاسبة واضحة.

 

دعوات للتدخل العاجل وسط فشل إداري متكرر

 

في المقابل دعت منصة اللاجئين السلطات السودانية إلى فرض رقابة على شركات النقل ومنع الاستغلال المالي والتحقيق في الشكاوى المتعلقة بالإخلال بالعقود المبرمة مع الركاب.

 

ثم طالبت الجهات المصرية بتنظيم نشاط شركات النقل العاملة بين البلدين، وإلزامها بالإفصاح عن الأسعار ومسارات الرحلات، وإنشاء آلية فعالة لتلقي شكاوى المسافرين ومحاسبة المخالفين.

 

كما دعت المنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لتوفير المياه والغذاء والرعاية الصحية للعالقين، خاصة الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل الأطفال والنساء وكبار السن.

 

كذلك أكدت أن استمرار هذه الأوضاع يعكس غياب تنسيق حقيقي بين الجهات المعنية، ما يترك آلاف العائدين في مواجهة مباشرة مع المخاطر دون حماية أو دعم كافٍ.

 

نهاية مفتوحة لأزمة تكشف هشاشة إدارة الحدود

 

في النهاية تكشف أزمة معبر أرقين أن ملف العودة الطوعية للسودانيين يدار دون تخطيط فعلي أو تنسيق مؤسسي، ما يحول رحلة العودة إلى تجربة محفوفة بالمخاطر بدلًا من أن تكون مسارًا آمنًا ومنظمًا.

 

ثم يعكس استمرار التكدس وارتفاع الأسعار وغياب الخدمات أن الأزمة ليست مؤقتة، بل نتيجة خلل متراكم في إدارة النقل والحدود، ما يضع العائدين في وضع إنساني هش.

 

كما يظهر غياب المحاسبة أن الجهات المسؤولة لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها أولوية، رغم ما تحمله من مخاطر مباشرة على حياة الآلاف من المدنيين.

 

وبذلك تتحول معاناة السودانيين في معبر أرقين إلى نموذج واضح لفشل إداري يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات، في ظل غياب حلول عاجلة تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.