في الوقت الذي يحتفل فيه المسلمون حول العالم بعيد الأضحى، عاش سكان قطاع غزة أيام العيد تحت وقع القصف والرصاص، في مشهد يعكس استمرار المأساة الإنسانية رغم الحديث عن اتفاقات لوقف إطلاق النار. فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة عن سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى خلال أيام العيد، ما يعكس واقعًا ميدانيًا يناقض أي تهدئة معلنة، ويطرح تساؤلات جدية حول جدوى الاتفاقات القائمة، وقدرة المجتمع الدولي على فرض الحد الأدنى من الحماية للمدنيين.

 

أولًا: أرقام الضحايا… العيد يتحول إلى موسم نزيف جديد

 

تكشف البيانات الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة عن حجم الخسائر البشرية خلال أيام عيد الأضحى، حيث بلغ عدد الشهداء 33 فلسطينيًا، إضافة إلى أكثر من 130 إصابة. هذه الأرقام، رغم قسوتها، لا تعكس الصورة الكاملة، إذ تشير التقارير إلى وجود ضحايا لا يزالون تحت الأنقاض أو في مناطق يصعب الوصول إليها.

 

وخلال 24 ساعة فقط، تم تسجيل شهيد جديد و8 إصابات، ما يؤكد أن العمليات العسكرية لم تتوقف، بل استمرت بوتيرة يومية، حتى في أكثر المناسبات الدينية حساسية. هذا الواقع يحوّل العيد من مناسبة للفرح إلى محطة جديدة لتوثيق الخسائر.

 

ولا تقتصر المأساة على الأرقام اليومية، بل تمتد إلى الحصيلة التراكمية منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، والتي بلغت نحو 72 ألفًا و939 شهيدًا، إضافة إلى أكثر من 172 ألف مصاب. هذه الأرقام تعكس واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، حيث يتحول المدنيون إلى الضحايا الأساسيين في ظل غياب أي حماية فعلية.

 

ثانيًا: وقف إطلاق النار… اتفاق هش أم غطاء لاستمرار العمليات؟

 

رغم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى خروقات متكررة تكاد تكون يومية. وزارة الصحة في غزة وثّقت سقوط 930 شهيدًا و2819 إصابة نتيجة هذه الخروقات، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الاتفاق ومدى الالتزام به.

 

اللافت أن هذه الخروقات لا تُقابل بردع دولي حقيقي، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى إطار شكلي لا يملك أدوات التنفيذ. وفي ظل هذا الواقع، يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد مصطلح سياسي، بينما تستمر العمليات العسكرية فعليًا على الأرض.

 

كما أن استمرار سقوط الضحايا خلال فترات يفترض أنها “تهدئة” يكشف عن خلل بنيوي في آليات الرقابة والمتابعة، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي. فغياب آليات إلزامية واضحة يفتح الباب أمام استمرار الانتهاكات دون محاسبة.

 

ثالثًا: أزمة إنسانية مستمرة… المدنيون في قلب العاصفة

 

إلى جانب القتلى والجرحى، تتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة بشكل غير مسبوق. فالتقارير تشير إلى عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إلى العديد من الضحايا، نتيجة استمرار القصف أو تدمير البنية التحتية.

 

هذا العجز لا يعكس فقط نقص الإمكانيات، بل يكشف عن بيئة ميدانية شديدة الخطورة تعيق عمليات الإنقاذ نفسها. وبذلك، يتحول الجرح إلى حكم بالموت في كثير من الحالات، بسبب غياب الرعاية الطبية في الوقت المناسب.

 

كما أن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية منذ بداية الحرب أدى إلى انهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية، من مياه وكهرباء ورعاية صحية، ما يزيد من معاناة السكان، خاصة الفئات الأكثر ضعفًا مثل الأطفال وكبار السن.

 

ولا يمكن فصل هذه الأوضاع عن السياق الأوسع للحرب، التي بدأت في أكتوبر 2023 واستمرت لفترة طويلة، مخلفة دمارًا هائلًا وأزمة إنسانية توصف بأنها من الأسوأ عالميًا. ومع استمرار العمليات، تبدو فرص التعافي أو حتى الاستقرار بعيدة المنال.

 

وأخيرا فما حدث في قطاع غزة خلال عيد الأضحى يعكس واقعًا يتجاوز مجرد خروقات عسكرية، ليصل إلى مستوى أزمة إنسانية وسياسية مركبة. فاستمرار سقوط الضحايا رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار يضع هذا الاتفاق موضع شك، ويؤكد أن المدنيين لا يزالون يدفعون الثمن الأكبر.

 

وفي ظل غياب حلول حقيقية أو تدخل دولي فعال، يبقى المشهد مفتوحًا على مزيد من التصعيد، فيما تتكرر المأساة يوميًا بأشكال مختلفة. وبينما يحتفل العالم بالأعياد، يظل سكان غزة عالقين في دائرة من العنف المستمر، دون أفق واضح لنهاية قريبة.