كشفت جولة مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء في نزلة السمان بالجيزة عن خطة حكومية جديدة لتطوير المنطقة المحيطة بالأهرامات، بعد نقل أكثر من 800 أسرة من "سن العجوز" إلى مساكن بديلة؛ مما أعاد مخاوف التهجير إلى الواجهة تحت عنوان "التطوير السياحي".
وتأتي الخطة في منطقة يعيش سكانها على السياحة والخدمات المرتبطة بالأهرامات منذ عقود، بينما تضع الحكومة أولوية رفع الطاقة الفندقية من نحو 4 إلى 5 آلاف غرفة، إلى ما بين 15 و20 ألف غرفة، وهو تحول يهدد بفتح باب استبدال السكان بمشروع استثماري واسع.
التطوير يبدأ بالطرق وينتهي بسؤال: من يبقى في نزلة السمان؟
قال رئيس مجلس الوزراء إن أساس تطوير نزلة السمان يقوم على وضع مخطط تفصيلي لشبكة الطرق والمحاور والمرافق داخل المنطقة، مؤكداً أن الحكومة تتحدث عن التطوير وليس الإزالة، وأن المخطط سيتم بالشراكة مع سكان المنطقة وبموافقتهم.
لكن هذه الصياغة الرسمية لا تلغي القلق؛ لأن فتح الطرق وإعادة تنظيم المرافق وتخطيط الشوارع داخل كتلة سكنية قديمة لا يحدث عادة بلا نزع ملكية، أو إخلاء، أو تغيير استعمالات، خصوصاً عندما يقع المشروع على حدود واحدة من أغلى المناطق السياحية في مصر.
كما أن وصف نزلة السمان بأنها "صداع حكومي" يكشف نظرة السلطة إلى السكان باعتبارهم عائقاً أمام الصورة السياحية المطلوبة، لا باعتبارهم جزءاً من تاريخ المكان واقتصاده اليومي؛ لأن المنطقة لم تنشأ خارج الأهرامات، بل عاشت على خدمتها واستقبال زوارها.
ويمنح رأي الباحث العمراني يحيى شوكت هذا المحور أساساً أوضح؛ إذ يربط تاريخ نزلة السمان بعمال جاءوا منذ القرن التاسع عشر للعمل مع الأثريين، ثم تطورت علاقتهم بالسياحة والخدمات حول الأهرامات، بما يجعل السكان جزءاً من هوية المكان لا كتلة قابلة للإزاحة.
لذلك، تبدو العبارة الحكومية عن المشاركة بحاجة إلى اختبار عملي؛ لأن الشراكة لا تعني لقاءات لشرح مخطط جاهز، بل تعني حق السكان في قبول التفاصيل أو رفضها، ومعرفة من سيبقى ومن سيرحل، ومن سيحصل على ترخيص ومن سيخسر بيته أو مصدر دخله.
"سن العجوز" نموذج مبكر لما قد ينتظر السكان
في منطقة "سن العجوز"، قالت الحكومة إنها وفرت سكناً بديلاً بمدينة 6 أكتوبر، ونقلت أكثر من 800 أسرة إلى هذه المساكن بعد اعتبار المباني متهالكة، وهو رقم تقدمه السلطة كدليل على التعويض، بينما يراه السكان مؤشراً على طريق يبدأ بالإخلاء ثم يتوسع.
وبحسب التصريحات الرسمية، فإن خطة التطوير لا تستهدف هدم المباني أو إقامة أبراج، بل فتح شوارع وتقنين المنشآت غير المرخصة وتنظيم النشاط السياحي، غير أن تجربة النقل السابقة تجعل السؤال مشروعاً حول مصير أي منزل يعوق الطريق، أو الرؤية، أو المخطط الأثري.
ثم تزيد المخاوف مع الحديث عن جزء أثري داخل أراضي المنطقة، وجزء من معبد الوادي للملك خوفو سيتم كشفه؛ لأن التنقيب الأثري قد يتحول إلى ذريعة لإزالات جديدة، إذا لم تحدد الحكومة نطاق العمل وحقوق الملكية والتعويضات قبل بدء التنفيذ.
ويضع المحامي الحقوقي مالك عدلي هذا الملف في سياقه القانوني، حين يشير إلى أن جوهر الأزمة في مشروعات الإخلاء يتمثل في غياب الشفافية والإجراءات القانونية الصحيحة، وأن التطوير العمراني يجب أن يراعي حقوق السكان، لا أن يتم بقرارات مفاجئة أو تعويضات غامضة.
ومن هنا، لا يكفي أن تقول الحكومة إن المشروع ليس إزالة شاملة؛ لأن التهجير لا يحدث فقط بقرار واحد كبير، بل قد يحدث على مراحل عبر نقل منطقة، ثم تقنين أخرى، ثم استبعاد مبانٍ من الترخيص، ثم دفع السكان تدريجياً إلى الخروج من السوق والمكان.
الفنادق الجديدة تفتح معركة الرزق قبل معركة البناء
على الجانب الاقتصادي، تحدث رئيس مجلس الوزراء عن حصر ما بين 4 و5 آلاف غرفة فندقية في نزلة السمان، وتوقع ارتفاع العدد إلى ما بين 15 و20 ألف غرفة عند اكتمال التطوير، وهو رقم يكشف أن المشروع لا يستهدف المرافق فقط، بل يعيد تشكيل الاقتصاد المحلي كله.
غير أن هذه الزيادة تطرح سؤالاً مباشراً عن أصحاب الغرف الحالية؛ لأن كثيراً من المقاهي والغرف الفندقية والمنشآت السياحية داخل المنطقة غير مرخص، أو يعمل بتفاهمات محلية قديمة، وإذا دخلت اشتراطات جديدة صارمة، فقد يخرج صغار العاملين لصالح مستثمرين أكثر قدرة.
كما أن تقنين المنشآت غير المرخصة قد يكون فرصة لإنقاذ أرزاق السكان إذا جرى بشروط عادلة ومعلنة، لكنه قد يصبح أداة فرز طبقي إذا طلبت الحكومة تكلفة تطوير وترخيص لا يقدر عليها أصحاب البيوت الصغيرة والبازارات والمقاهي العائلية.
ويخدم رأي الدكتور عباس الزعفراني هذا المحور؛ لأنه يقر بالقيمة الاقتصادية الكبيرة للمنطقة، ويرى أن تطويرها يجب أن يفرق بين مناطق تحتاج إلى إزالة محدودة لأسباب أثرية أو أمنية، ومناطق يمكن تطويرها اقتصادياً مع بقاء السكان كمستفيدين وشركاء.
بذلك، يصبح الخطر الحقيقي في تحويل نزلة السمان من اقتصاد شعبي سياحي إلى واجهة فندقية مرتفعة التكلفة؛ لأن الدولة إذا رفعت قيمة الأرض والخدمة من دون حماية السكان، فإن التطوير سيزيد أرباح المشروع ويخفض قدرة الأهالي على البقاء داخله.
القانون الأثري يضيق الخناق والمخطط يغير شكل الحياة
تخضع نزلة السمان -بسبب قربها من الأهرامات- لقيود قانون الآثار التي تحظر تعلية المباني، أو إعادة بنائها بعد انهيارها، أو تشييد مبانٍ جديدة في نطاقات معينة، وهي قيود قد تبدو مفهومة أثرياً، لكنها تتحول عملياً إلى ضغط طويل على السكان.
ومع هذه القيود، تصبح الأسر محاصرة بين منزل لا تستطيع تطويره بحرية، ونشاط سياحي يحتاج إلى تحسين مستمر، ومخطط حكومي يطلب واجهات حضارية وأمناً وتشغيلاً جيداً، وهو ما يخلق معادلة صعبة يدفع السكان كلفتها إذا لم توفر الحكومة مساراً عادلاً للترخيص.
ثم يظهر تناقض واضح في خطاب الحكومة؛ فهي تعتبر المنطقة غير لائقة بجوار "أجمل منظر في العالم"، لكنها في الوقت نفسه تعترف بأن سكانها يملكون آلاف الغرف الفندقية، وأن أنشطتهم تشارك في جذب الحركة السياحية، ولو بشكل غير منظم أو محدود الإمكانات.
ولهذا، لا يمكن فصل قضية نزلة السمان عن نمط أوسع في التعامل مع المناطق ذات القيمة العقارية والسياحية، حيث يظهر التطوير كخطاب جميل، ثم يبدأ السؤال الصعب حول الملكية والتعويض والبديل، وحق السكان في البقاء، لا مجرد حضور اجتماع حكومي.
وبناءً على ذلك، تحتاج الحكومة إلى إعلان ضمانات مكتوبة قبل أي خطوة تنفيذية، تشمل منع الإخلاء القسري، وتحديد نطاقات الإزالة بدقة، ونشر التعويضات وآليات الطعن، وتقنين الأنشطة القائمة برسوم مناسبة، وإلزام المستثمرين بأن يكون الأهالي جزءاً من المشروع لا ضحاياه.
وفي النهاية، لا تقاس خطة تطوير نزلة السمان بعدد الغرف الفندقية الجديدة، ولا بجمال الواجهات المطلة على الأهرامات، بل تقاس بعدد الأسر التي ستبقى في بيوتها، وبعدد أصحاب الأرزاق الذين لن يتحولوا من ملاك وعاملين إلى زوار غرباء في حيهم القديم.

