طالبت مبادرة "إنصاف" رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي ومجلسي النواب والشيوخ بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون رعاية حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024 خلال 30 يوما، بعد تعطيل حقوق نحو 10 ملايين مسن منذ انتهاء المهلة القانونية في أكتوبر 2024.


ويكشف هذا التعطيل وجها أكثر قسوة من أزمة التشريع في مصر، فالقانون صدر ونشر وبدأ العمل به، لكن الحكومة أبقته بلا أدوات تنفيذ، وتركت كبار السن أمام المعاشات الضعيفة والطوابير وتكاليف العلاج وخدمات لا تصل إلى منازلهم، بينما يتحدث الخطاب الرسمي عن حياة كريمة لا يجدونها في تفاصيل يومهم.


قانون صدر وحقوق بقيت معلقة


بدأت الأزمة في 4 أبريل 2024 عندما صدر قانون رعاية حقوق المسنين ونشر في الجريدة الرسمية، ثم بدأ العمل به في 5 أبريل 2024، ونصت مادة الإصدار الثانية على صدور لائحته التنفيذية خلال 6 أشهر، بما جعل أكتوبر 2024 آخر موعد قانوني للحكومة.


لكن غياب اللائحة التنفيذية جعل النصوص بلا أثر عملي، لأن القانون لا يتحول إلى خدمة إلا بعد تحديد آليات الصرف والرعاية والمسؤوليات والجهات المختصة، ولذلك بقيت حقوق الرعاية الصحية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية معلقة رغم مرور أكثر من عام ونصف على صدور القانون.


وفي هذا المحور، يخدم رأي المستشار محمود العفيفي الخبير القانوني زاوية خطورة التعطيل، لأنه عدد مزايا القانون مثل صندوق رعاية المسنين والمساعدة الضمانية الشهرية وتوصيل المعاش للمنزل والرعاية العلاجية، وهي حقوق تفقد معناها عندما تؤجل الحكومة لائحة تشغيلها.


لذلك لا تبدو المشكلة إدارية محدودة داخل وزارة التضامن، بل تعطيلا مباشرا لتشريع يخص فئة عمرية لا تملك وقتا مفتوحا للانتظار، فالمسن الذي يحتاج دواء أو مرافقا أو نافذة خدمة خاصة لا ينتظر دورة مراسلات حكومية تمتد من لجنة إلى مجلس وزراء.


حملة إنصاف تكسر صمت التأجيل


في المقابل، نظمت مبادرة إنصاف حلقة نقاشية بعنوان من التشريع إلى التنفيذ ضمن حملة حبر على ورق، بمشاركة نواب وشيوخ وحقوقيين وممثلي مجتمع مدني وإعلاميين، وناقشت الحلقة تحديات التطبيق وفي مقدمتها تأخر اللائحة رغم تشكيل لجنة حكومية لإعدادها منذ سبتمبر 2024.


ثم أطلقت الحملة عريضة إلكترونية لجمع توقيعات تطالب بإصدار اللائحة خلال 30 يوما، ووضع جدول زمني علني لتوفيق أوضاع الجهات المعنية، وتخصيص ميزانية وكوادر لخدمات الرعاية المنزلية والمساعدات المالية، وإنشاء رقابة برلمانية ومجتمعية تتابع التنفيذ ولا تترك الملف للأدراج.


ومن هنا، يخدم رأي الدكتورة سامية خضر أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس هذا العنوان، لأنها ترى أن الاهتمام بكبار السن من سمات الدول المتقدمة، وهذه القاعدة تجعل تأخير اللائحة علامة على ضعف ترتيب الأولويات الاجتماعية لا مجرد تأخر فني.


كذلك تضمنت توصيات إنصاف تحسين جودة خدمات الرعاية الصحية لكبار السن، خصوصا الحالات الحرجة والمزمنة، وتقليل الفجوة الرقمية عبر وسائل بديلة ومبسطة للحصول على الخدمات، لأن إلزام مسن فقير بخدمة رقمية معقدة يعني حرمانه عمليا من حق مكتوب في القانون.


البرلمان يحاصر الحكومة والحقوق لا تصل


وعلى المسار البرلماني، تقدم النواب إسلام قرطام وفريدي البياضي ومحمد تيسير مطر بتحركات رقابية لمساءلة الحكومة عن أسباب التأخير، وقال البياضي إن طلبه الأخير جاء بعد طلبات سابقة منذ نوفمبر 2024 ويونيو 2025، رغم رد وزارة التضامن بأن اللائحة انتهت وأرسلت إلى مجلس الوزراء.


بعد ذلك، أكد محمد تيسير مطر أن غياب اللائحة أفقد النصوص مضمونها العملي والاجتماعي، وطالب ببيان أسباب التأخير وإعلان جدول زمني واضح وملزم، بينما اعتبر إسلام قرطام أن التأخير يعطل الرعاية الصحية والاجتماعية وصندوق رعاية المسنين وتنظيم دور الرعاية.


وفي هذا السياق، يخدم رأي الدكتور صلاح هاشم رئيس المنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية زاوية التنفيذ المؤسسي، لأنه طالب بقاعدة بيانات دقيقة عن كبار السن وتوزيعهم ومؤسسات خدمتهم، وتدريب مقدمي الخدمة وتغيير الصورة النمطية عنهم وربط احتياجاتهم بسياسات الفقر والتنمية.


لهذا يصبح إنشاء قاعدة بيانات وطنية محدثة لكبار السن شرطا لا رفاهية، لأنها تكشف أوضاعهم الصحية والاجتماعية والاقتصادية وتوجه الدعم إلى مستحقيه، كما تمنع الحكومة من استخدام نقص المعلومات ذريعة لتأجيل الرعاية المنزلية أو المساعدة الشهرية أو تسهيلات النقل والإسكان.


حكومة بلا لائحة ومسنون بلا حماية


وتشمل الحقوق المعطلة مساعدة ضمانية شهرية لمن لا يحصل على معاش، وحق توصيل المعاش أو المساعدة إلى المنزل، والرعاية الصحية المنزلية، والإعفاءات الدوائية، والحماية من الإهمال والإساءة، وتخصيص نافذة خاصة في الجهات الحكومية، ومنع التمييز بسبب السن في الخدمات العامة.

 

كما تطالب التوصيات بتنظيم صرف المعاشات بالتعاون مع البنوك وهيئات البريد، بما يقلل التكدس ويراعي الحالة الصحية لكبار السن ويوفر دعما أثناء الحصول على المستحقات، لأن مشهد الطوابير الشهرية لا يليق بفئة يفترض أن يحميها القانون من الإهانة والمشقة.


وفوق ذلك، طرح المشاركون مسار الضغط القانوني عبر دراسة إقامة دعوى أمام القضاء الإداري لإلزام الجهات المختصة بإصدار اللائحة التنفيذية، وهو تصعيد يكشف أن الحكومة دفعت المجتمع المدني والنواب من المطالبة السياسية إلى التفكير في إجبارها قضائيا على تنفيذ قانون قائم.


وفي النهاية، لا تحتاج الحكومة إلى قانون جديد كي تحمي كبار السن، بل تحتاج إلى احترام القانون الذي صدر بالفعل، فكل يوم تأخير يحرم مسنا من علاج أو مساعدة أو خدمة منزلية أو حماية من إساءة، ويحول شعار الحياة الكريمة إلى وعد مؤجل تدفع ثمنه فئة أنهكتها السنوات والأسعار.