كشفت الإجراءات الأمنية المشددة والمبالغ فيها منذ ظهور قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي خلف حاجز زجاجي في القاهرة عام 2015، مرورا بخطابه لطلاب الكلية الحربية عام 2020، ثم أكاديمية الشرطة عام 2024، وانتهاء بمشاجرة حراسته مع حرس الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في عنتيبي عام 2016، ثم أخيرا تتكر نفس المشادة منذ أيام بزيارته الأخيرة إلى أوغندا، كشفت عن  حالة من الذعر والرعب الدائم الذي يسيطر على قائد الانقلاب في تحركاته العامة والخاصة منذ استيلائه على السلطة في مصر.

 

وتضع هذه الوقائع والإجراءات الأمنية صورة السلطة في مواجهة سؤال سياسي مباشر، فالسيسي الذي يتحدث باسم الاستقرار يظهر غالبا محاطا بحواجز وحراسات وإغلاقات، بينما يدفع المواطن تكلفة هذا النموذج من المجال العام وحركة المرور والحقوق اليومية، من دون أن يحصل في المقابل على حياة كريمة أو ثقة سياسية حقيقية.

 

 

القفص الزجاجي.. بداية صورة السيسي الذي يتحصن من محيطه


بدأت صورة التحصن مبكرا عندما ظهر السيسي في احتفال أكاديمية الشرطة عام 2015 داخل منصة محاطة بزجاج مضاد للرصاص.

وربطت تقارير وقتها بين قفص مرسي في المحاكمات وقفص السيسي في الاحتفالات الرسمية، مع فارق أن الأول استُعمِل لإسكات خصم والثاني استُعمِل لحماية الحاكم.

 

http://www.aljazeera.net/video/2015/8/1/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9%8A-%D8%A8%D8%B2%D8%AC%D8%A7%D8%AC-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B5%D8%A7%D8%B5-%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%84

ثم تكرر المشهد في ديسمبر 2020 عندما خاطب السيسي طلاب الكلية الحربية من خلف زجاج مضاد للرصاص، وأثار المشهد سخرية واسعة لأن الخطاب كان موجها إلى طلاب مؤسسة عسكرية تابعة للدولة، لا إلى شارع مفتوح أو تجمع سياسي معارض أو ساحة مواجهة غير مؤمنة.


وفي هذا المحور، يخدم رأي الباحث تيموثي كالداس قراءة المشهد الأمني سياسيا، إذ قال أن حملة القمع تكشف مستوى عاليا من الارتياب داخل الحكومة

وهذه القراءة تجعل الزجاج علامة على أزمة ثقة داخلية لا مجرد إجراء احترازي معزول عن طبيعة الحكم.

 


 

لاحقا عاد السيسي للظهور من خلف زجاج مضاد للرصاص في احتفال أكاديمية الشرطة عام 2024، بينما تحدث عن خسائر قناة السويس والثوابت والحدود، فجمع المشهد بين خطاب عن تهديدات خارجية وصورة رئيس يتحصن داخل مؤسسة أمنية، مما عمق دلالة الحاجز لا خففها.

 



 

إجراءات التأمين المشدد تحول الشارع إلى مساحة مغلقة


ومع ترسخ هذا النمط، لم تعد الحراسة المشددة ترتبط بمنصة خطاب فقط، بل امتدت إلى مسارات التحرك ومواكب الزيارات والفعاليات الداخلية والخارجية، حيث يسبق السيسي طوق أمني واسع يغير حركة الناس ويفرض على المكان منطق الإخلاء والتنظيم الكامل قبل ظهوره.


وبهذا المعنى، يصبح الأمن الرئاسي جزءا من بنية حكم أوسع، لأن السلطة التي تعزل الرئيس عن الجمهور تعزل المواطن أيضا عن حقه في الحركة الطبيعية، فيرى الناس طرقا مغلقة ومداخل مؤمنة ووجوها أمنية أكثر مما يرون خدمة عامة تضمن لهم حياة كريمة.


كما يخدم رأي الباحث يزيد صايغ هذا المحور، لأنه وصف نظام السيسي بأنه يقوم على سلطات مفرطة داخل وصاية عسكرية تؤمن الحكم لكنها تتركه عاجزا عن حل أزماته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا يربط الحراسة المشددة ببنية الحكم لا بشخص الحارس.


لذلك تبدو الإجراءات الأمنية الثقيلة أكثر من بروتوكول، فهي تقدم للمواطن صورة سلطة تسبق احتياجاتها على احتياجاته، وتحصن قمتها قبل أن تحل أزماته اليومية، وتطلب منه الصبر على الغلاء والديون والخدمات المتراجعة بينما لا تتحرك هي إلا داخل مساحات معزولة.


فيديو نيروبي يعيد واقعة عنتيبي إلى قلب الجدل


وقد عاد الجدل بقوة في مايو 2026 بعد تداول فيديو على منصة إكس  قال إن قمة أفريقية في نيروبي شهدت احتكاكا ومشادة بين حرس السيسي والأمن الأوغندي أثناء تنظيم الدخول وتأمين الممرات، وحصد المقطع عشرات الآلاف من المشاهدات خلال ساعات قليلة.


لكن هذا الفيديو أعاد حادثة ديسمبر 2016 عندما وقعت مشادة بين حرس السيسي وحرس الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني داخل القصر الرئاسي في عنتيبي خلال زيارة رسمية.

 

 

 

ووفق تقارير منشورة وقتها، بدأ الخلاف بعدما حاول 4 من عناصر الحرس المصري دخول مقر الرئاسة الأوغندية بأسلحتهم الشخصية خلافا للإجراءات المتبعة هناك، فتمسك حرس موسيفيني بقواعد التأمين ونزع سلاح الحراس المصريين قبل استمرار اللقاء بين الطرفين بعد احتواء الموقف.


هنا يخدم رأي ميشيل دن وظيفة تحريرية واضحة، لأنها سألت في سياق أوسع عما إذا كانت أساليب الأرض المحروقة تبني شرعية أم توسع اغتراب الجمهور، وهذه الزاوية تجعل واقعة الحراسة الخارجية امتدادا لعقل أمني يفضل السيطرة على بناء الثقة.


والأهم أن عودة الفيديو القديم في سياق نيروبي لم تنشأ من فراغ، لأن الجمهور يتعامل مع صورة الحراسة المفرطة باعتبارها نمطا مألوفا في حضور السيسي.

 

الإجراءات الأمنية المشددة لا تخفي أزمة الشرعية


بناء على ذلك، لا تكمن خطورة الواقعة الأخيرة في أن الفيديو قديم فقط، بل في أن إعادة تدويره وجدت أرضا قابلة للتصديق، لأن مشاهد الزجاج والمواكب والحراس المتوترين صنعت ذاكرة عامة تربط حضور السيسي بالحواجز لا بالحضور المفتوح بين المواطنين.


ولهذا يصبح تصحيح تاريخ الفيديو ضروريا، لكنه لا يغلق السؤال السياسي، فالتحقق يثبت أن مشادة نيروبي حديثا غير صحيحة، لكنه يثبت في الوقت نفسه أن مشادة عنتيبي كانت واقعة منشورة، وأن الحراسة المصرية ظهرت في اختبار بروتوكولي محرج خارج الحدود.


ثم تكشف السلسلة من القفص الزجاجي إلى الفيديو المتداول أن المشكلة لا تخص حارسا اندفع أو منصة زجاجية نصبت في مناسبة، بل تخص نظاما يبني صورته العامة على الحماية الصلبة، بينما يفشل في بناء علاقة سياسية تسمح للرئيس بالحركة دون كل هذا العزل.


وفي النهاية، لا تعطي الحراسة المشددة صورة دولة قوية مستقرة بقدر ما تكشف دولة قلقة، لأن السيسي الذي يحتاج إلى زجاج أمام طلاب الجيش والشرطة وإلى مواكب تعيد ترتيب المكان وإلى حراسة تصطدم ببروتوكول دولة أخرى، يظهر بعيدا عن مجتمع يطلب معيشة وحقوقا لا مزيدا من الأطواق الأمنية.