طالب  حسين غيته النائب بمجلس النواب المصري الحكومة بتوضيح خطة استغلال فوسفات أبو طرطور في الوادي الجديد، بعدما قدر احتياطي الهضبة بنحو مليار طن، وحذر من استمرار تصدير الخام أو استخدامه في صور أولية تهدر عائدا صناعيا ودولاريا أكبر.


وتضع هذه المساءلة الحكومة أمام ملف اقتصادي حساس، لأن مصر لا تملك رفاهية بيع ثرواتها التعدينية كمواد رخيصة ثم تستورد منتجات أعلى قيمة، بينما يواجه المواطن غلاء وسوق عمل محدودا، ويحتاج إلى اقتصاد ينتج صناعة وفرص تشغيل وحياة كريمة لا بيانات متكررة عن الكنوز.


خام ضخم يتحول إلى عائد محدود


بدأ طلب الإحاطة من سؤال مباشر حول جدوى استمرار التعامل مع خام الفوسفات كسلعة استخراج وتصدير، لا كقاعدة لصناعة متكاملة، إذ يرى غيته أن أبو طرطور كان يمكن أن يتحول إلى أحد أهم مصادر الدخل القومي لو انتقلت الحكومة من المنجم إلى المصنع.


وفي هذا السياق، لا تبدو المشكلة في وجود الخام بل في طريقة إدارته، فالهضبة التي تقع في قلب الصحراء الغربية قرب الخارجة تحمل احتياطيا ضخما، لكن العائد الحقيقي يظل ضعيفا إذا خرجت الثروة من الأرض بلا تصنيع كاف ولا سلسلة منتجات ترفع قيمتها.


ويخدم رأي الدكتور حسن بخيت، رئيس رابطة المساحة الجيولوجية المصرية، هذا المحور لأنه وثق تاريخ أبو طرطور منذ اكتشاف خاماته عام 1959، وشرح أن المشروع واجه خللا قديما في الدراسات وطرق الاستغلال، بما يؤكد أن أزمة الفوسفات ليست وليدة اللحظة.


وبناء على ذلك، تتحمل الحكومة مسؤولية مزدوجة، فهي ورثت ملفا متعثرا لكنها لم تحسمه بسرعة كافية، كما أنها تعلن باستمرار عن تعظيم القيمة المضافة بينما يظل التنفيذ أبطأ من الحاجة الاقتصادية، وخصوصا في ظل أزمة دولار تجعل كل طن خام مهدرا خسارة أكبر.


حامض الفوسفوريك يتأخر بينما تتراكم الفاتورة


انتقل طلب الإحاطة إلى مشروع إنتاج حامض الفوسفوريك في أبو طرطور، وهو المشروع الذي تدور استثمارات مرحلته الأولى بين 573 و658 مليون دولار، بطاقة إنتاجية تصل إلى 250 ألف طن سنويا، على أن يبدأ التشغيل التجاري خلال السنوات المقبلة بعد سنوات من الحديث المتكرر.


لكن هذه الأرقام تفتح باب الاتهام لا باب الطمأنة فقط، لأن المشروع ظل يتحرك بوتيرة أقل من الطموح بينما تحتاج مصر إلى صادرات صناعية لا خامات أولية، وكل تأخير في حامض الفوسفوريك يعني بقاء جزء من القيمة خارج الاقتصاد المحلي وخارج خزينة الدولة.


ويخدم رأي المهندس أسامة كمال، وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق، هذا المحور بوضوح، إذ قال إن طن الفوسفات الخام يباع بنحو 80 دولارا، ويرتفع إلى نحو 120 دولارا بعد المعالجة، وتتضاعف قيمته مرات عدة عند تحويله إلى حامض الفوسفوريك.


لذلك لا يصح أن تحتفل الحكومة بتصدير الفوسفات الخام باعتباره موردا دولاريا، لأن الفرق بين سعر الخام وسعر المنتج المصنع يكشف حجم العائد الضائع، كما يكشف أن الاقتصاد المصري يبيع المدخل الرخيص ويترك الصناعات الأعلى قيمة لمن يملك التخطيط والتمويل والتكنولوجيا.


المعادن النادرة تكشف سؤال الثروة الغائبة


ثم وسع غيته نطاق المساءلة إلى العناصر والمعادن النادرة المصاحبة لخامات الفوسفات، ومنها اليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد تدخل في الصناعات التكنولوجية والطاقة النووية والصناعات المتقدمة، وتستطيع دول أخرى تحقيق عوائد كبيرة منها بدل إهدارها داخل المعالجة التقليدية.


ومن هنا تصبح أبو طرطور أكثر من منجم فوسفات، لأنها قد تكون قاعدة لصناعات حامض الكبريتيك وحامض الفوسفوريك والأسمدة المركبة عالية القيمة والصناعات الكيماوية والطاقة والبطاريات، وهذا يجعل الاكتفاء ببيع الخام إخفاقا في قراءة القيمة الاستراتيجية للثروة.


ويخدم رأي الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، هذا المحور لأنه أشار إلى أن الفوسفات المصري في أبو طرطور وسيناء والصحراء الشرقية يستخدم في صناعة الأسمدة وحامض الفوسفوريك، وربط خريطة المعادن المصرية بصناعات متقدمة وعناصر نادرة.


كذلك يكشف حديث وزير البترول كريم بدوي عن وقف إبرام عقود جديدة لتصدير الفوسفات الخام أن الحكومة نفسها تعرف خطورة المسار القديم، لكنه أبقى الالتزام بالعقود السارية، وأكد أن مشروع حامض الفوسفوريك عاد إلى مسار التنفيذ بعد فترة توقف وتحديات.


حكومة تعرف الحل وتؤخر تنفيذه


على هذا الأساس، لم يعد السؤال هل تمتلك مصر فوسفات أم لا، بل لماذا لم يتحول هذا الاحتياطي إلى مجمع صناعي متكامل حول منطقة الاستخراج، ولماذا تبقى القرارات الحاسمة متأخرة رغم تكرار الحديث الرسمي عن التصنيع المحلي وجذب الاستثمارات والشراكات الدولية.


كما يبرز سؤال العمالة في قلب الملف، لأن التصنيع الكامل لا يضاعف العائد الدولاري فقط، بل يخلق وظائف مباشرة وغير مباشرة في الوادي الجديد وسلاسل النقل والطاقة والصناعات الكيماوية، بينما يختصر تصدير الخام القيمة داخل عمليات استخراج وشحن محدودة الأثر الاجتماعي.

 

لهذا تبدو المطالبة بمراجعة استراتيجية أبو طرطور ضرورة اقتصادية لا مكايدة سياسية، فمصر التي تسعى إلى زيادة الموارد الدولارية لا تستطيع أن تترك ثروة بحجم مليار طن تتحرك ببطء إداري، ولا تستطيع أن تطلب من المواطن تحمل الغلاء وهي تهدر فرص التصنيع.


وفي النهاية، يضع فوسفات أبو طرطور الحكومة أمام امتحان واضح، فإما أن تنقل الهضبة من خام يباع بثمن محدود إلى سلسلة صناعات تمنح البلاد عائدا ووظائف وتقنية، وإما أن يبقى المشروع شاهدا على دولة تعرف قيمة ثروتها ثم تفرط في جزء كبير من قيمتها.