أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، الخميس 26 مارس، مقتل الجندي أوري غرينبيرغ، 21 عامًا، من وحدة الاستطلاع في لواء جولاني، خلال اشتباكات في جنوب لبنان. الإعلان لم يأتِ منفصلًا عن سياق أوسع. إسرائيل تواصل عملياتها البرية داخل الأراضي اللبنانية. وإيران تواصل إطلاق الصواريخ باتجاه العمق الإسرائيلي. والنتيجة أن الجبهة لم تعد واحدة، والخسائر لم تعد قابلة للتجميل ببيانات عسكرية مقتضبة. ما يجري الآن هو اتساع منظم للحرب، لا مجرد تبادل نار على الحدود.

 

بحسب الرواية الإسرائيلية، قُتل غرينبيرغ في مواجهة ليلية داخل جنوب لبنان، بينما تحدثت القناة 12 عن كمين نفذه مقاتلو حزب الله عند نحو الساعة 2 فجرًا ضد قوة من جولاني، قبل أن يفتحوا النار من مسافة قريبة. لا يوجد تأكيد مستقل لكل تفاصيل الكمين كما وردت في الإعلام العبري، لكن الثابت أن مقتل الجندي أقره الجيش نفسه، وأنه جاء في قلب عملية برية تقول تل أبيب إنها “محددة”، بينما تكشف الوقائع أنها مفتوحة على خسائر بشرية وتورط أعمق داخل لبنان.

 

العملية البرية تحصد قتلاها

 

حزب الله لم يكتفِ بإعلان مسؤوليته عن الاشتباك. بل قال إن مقاتليه نفذوا، من فجر الخميس حتى العاشرة صباحًا، عملية واسعة ضد دبابات الاحتلال من طراز الميركافا في جنوب لبنان، وإن الحصيلة بلغت تدمير 18 دبابة. هذا الرقم لا يمكن التحقق منه بشكل مستقل حتى الآن، لكن أهميته ليست فقط في دقته، بل في الرسالة التي يريد الحزب تثبيتها: المعركة البرية ليست نزهة إسرائيلية، والدروع التي تقتحم القرى الجنوبية يمكن استنزافها ميدانيًا.

 

الخبير فيصل إيتاني يرى أن الهدف الإسرائيلي يتجاوز الرد التكتيكي على حزب الله إلى احتلال جنوب لبنان ودفع التهديد بعيدًا عن شمال إسرائيل، عبر “وضع دفاع أمامي” يفرض وقائع جديدة على الأرض. لكنه يضيف أن هذا المسار نفسه يخلق مشكلات جديدة لإسرائيل، من كيفية الدفاع عن الأراضي الجديدة إلى تحمل مزيد من الخسائر. هذا التقدير يفسر لماذا تبدو العملية البرية، منذ بدايتها، مشروع استنزاف لا مشروع حسم سريع.

 

الصورة اللبنانية نفسها تؤكد ذلك. مع هذه التطورات، ارتفع عدد الجنود الإسرائيليين الذين سقطوا في جنوب لبنان منذ تجدد العمليات العسكرية هذا الشهر إلى 3 على الأقل، بينما تتحدث تقارير دولية عن أكثر من 1,000 قتيل ومليون نازح داخل لبنان منذ توسع القتال. هذه الأرقام لا تخص حزب الله وحده ولا الجيش الإسرائيلي وحده. هي تقول إن لبنان كله يدفع كلفة قرار الحرب، بينما تتصرف إسرائيل كأن توسيع الجبهة الجنوبية مجرد بند أمني يمكن التحكم فيه من الجو والمدرعات.

 

الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم قال إن أي تفاوض مع إسرائيل “تحت النار” هو استسلام مرفوض، ودعا الحكومة اللبنانية إلى التراجع عن قرارها بتجريم أنشطة الحزب ومقاتليه. هذا الموقف يكشف مأزقًا لبنانيًا مزدوجًا. الدولة تريد احتكار قرار الحرب. لكنها لا تملك أدوات فرض ذلك. وإسرائيل تستفيد من هذا العجز لتوسيع عملياتها. أما النتيجة العملية فهي مزيد من الدمار جنوبًا، ومزيد من تثبيت الحرب باعتبارها واقعًا يوميًا لا طارئًا عابرًا.

 

إيران تضرب الوسط ومنظومات الاعتراض تحت الضغط

 

على الجبهة الأخرى، لم يتأخر الرد الإيراني. تقارير إسرائيلية تحدثت عن إطلاق صواريخ باتجاه وسط إسرائيل على 3 دفعات خلال أقل من ساعتين، مع تفعيل منظومات الدفاع الجوي وإطلاق صافرات الإنذار في مناطق واسعة شملت وسط إسرائيل وأجزاء من القدس والضفة الغربية. وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت أيضًا عن سماع دوي انفجارات في القدس واتساع الإنذارات إلى أكثر من 100 مستوطنة. المعنى هنا واضح: الحرب لم تعد محصورة في الأطراف، بل صارت تضرب المركز السكاني الإسرائيلي نفسه.

 

الخبير في شؤون الصواريخ تال إنبار يشرح جانبًا مهمًا من هذا التطور. يقول إن اعتراض الذخائر العنقودية أو الصواريخ التي تطلق ذخائر فرعية أصعب تقنيًا من اعتراض الصواريخ التقليدية، لأن الاعتراض يجب أن يتم قبل انفصال الحمولة. وبعد ذلك يصبح المنع شبه مستحيل حتى مع أكثر الأنظمة تقدمًا. أهمية هذا الرأي أنه يفسر لماذا لم تعد منظومات الاعتراض تقدم صورة السيطرة الكاملة التي تحرص إسرائيل على تسويقها. كثافة النار ونوعيتها باتتا جزءًا من المشكلة.

 

الجيش الإسرائيلي قال، بعد أكثر من 14 ساعة على إعلان هجوم صاروخي سابق، إن أنظمة الدفاع الجوي ما زالت تعمل على اعتراض التهديدات القادمة. ثم عاد في بيانين منفصلين بفارق زمني قصير ليؤكد رصد إطلاقات جديدة من إيران. هذا التتابع في البيانات لا يعكس فقط كثافة الهجمات. بل يعكس أيضًا حالة استنزاف مستمرة. حين تبقى صافرات الإنذار لساعات، ويُطلب من الجبهة الداخلية أن تعيش على إيقاع دفعات متتالية، فالمسألة لم تعد مجرد نجاح أو فشل لاعتراض صاروخ بعينه، بل إنهاك متواصل للمجتمع والمنظومة معًا.

 

وتحدثت تقارير إسرائيلية عن إسقاط صاروخ إيراني في وسط البلاد مع وقوع إصابات، من دون تفاصيل دقيقة. كما أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة ضابط و3 جنود، أحدهم في حالة خطيرة، إثر استهداف قواته بقذيفة في جنوب لبنان. هذا التزامن بين إصابات الداخل الإسرائيلي وخسائر القوات على الحدود يكسر الرواية التي حاولت تل أبيب تثبيتها منذ بداية التصعيد: أن بوسعها إدارة حرب متعددة الجبهات مع إبقاء الكلفة تحت السيطرة. الوقائع الآن تقول العكس.

 

حرب تتسع وحسابات تتعقد

 

الخبير مايكل يونغ يرى أن ما تريده إسرائيل في جنوب لبنان هو شريط أمني فعلي جنوب الليطاني، مع تحويل المساحة الواقعة تحته إلى منطقة خالية من الحياة وقابلة للمراقبة المستمرة بالطائرات والمسيرات. هذا التقدير يفسر كثيرًا من القرارات الإسرائيلية الأخيرة، من تدمير البنى التحتية إلى توسيع الضغط على السكان. لكنه يوضح أيضًا أن الحرب، بهذا المعنى، ليست دفاعًا مؤقتًا بل مشروع فرض خرائط جديدة بالقوة.

 

المحصلة حتى الآن قاسية ومباشرة. جندي إسرائيلي قُتل في جنوب لبنان. حزب الله يقول إنه ضرب الدبابات. إيران تواصل إطلاق الصواريخ نحو الوسط الإسرائيلي. والجيش الإسرائيلي يواصل توسيع ضرباته وعملياته البرية.

في مثل هذا المشهد، لا تعود المسألة سؤالًا عن “جبهة أقوى” أو “ضربة أنجح”. السؤال الفعلي هو: إلى أي مدى تستطيع إسرائيل أن تواصل فتح جبهات جديدة بينما الخسائر تتراكم في الشمال والوسط معًا، والردود لم تعد محصورة في حدود يمكن ضبطها ببيان عسكري واحد.