دخلت المواجهة بين إسرائيل وإيران، صباح الخميس 26 مارس، مستوى أعلى من التصعيد بعد إعلان وسائل إعلام إسرائيلية ومصدر إسرائيلي مقتل علي رضا تنكسيري، قائد بحرية الحرس الثوري، في غارة على بندر عباس، بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي انتهاء موجة واسعة من الضربات في مناطق عدة داخل إيران بينها أصفهان.
لكن الرواية ما زالت من طرف واحد حتى الآن. فلا تأكيد إيرانيًا رسميًا على مقتله، ولا دليل مستقل منشور يحسم الخبر خارج الرواية الإسرائيلية.
هذا التناقض ليس تفصيلًا. هو جوهر اللحظة نفسها: حرب نار، وحرب معلومات، وحرب نفسية تُدار في الوقت ذاته.
رواية إسرائيل تسبق التحقق
القناة 12 الإسرائيلية ووسائل إعلام إسرائيلية أخرى قالت إن تنكسيري قُتل في هجوم على بندر عباس، وجرى تقديمه باعتباره الرجل المسؤول عن إغلاق مضيق هرمز.
كما نقلت صحف إسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي الرواية نفسها، في وقت كانت فيه تل أبيب تعلن تنفيذ غارات واسعة داخل إيران.
هذا الربط مقصود. إسرائيل لا تعرض خبر مقتل قائد عسكري فقط، بل تسوق لضربة تقول إنها أصابت عصبًا بحريًا حساسًا في معادلة الضغط الإيراني.
تنكسيري ليس اسمًا ثانويًا داخل الحرس الثوري.
المرشد الإيراني عيّنه قائدًا لبحرية الحرس في 23 أغسطس 2018، بعد سنوات قضاها في قيادة المنطقة البحرية الأولى في بندر عباس ثم نائبًا لقائد القوة البحرية.
وزارة الخزانة الأمريكية فرضت عليه عقوبات في 24 يونيو 2019، وقالت وقتها إنه هدد بإغلاق مضيق هرمز إذا مُنعت صادرات النفط الإيرانية، واعتبرته جزءًا من هيكل بحري مسؤول عن أنشطة تخريبية وتهديد الملاحة.
هذا يفسر لماذا أصبح اسمه ملتصقًا دائمًا بورقة هرمز.
الخبير العسكري فرزين نديمي كان قد قال، قبل أيام، إن تنكسيري هو “الشخصية الحاسمة” في تماسك قيادة بحرية الحرس الثوري في ملف هرمز، وإن بقاءه يعني بقاء قدر من ترابط القيادة في هذا المسرح شديد الحساسية.
لذلك، إذا صح خبر مقتله، فالمسألة لا تتعلق بخسارة ضابط رفيع فقط، بل بضربة تستهدف رأس البنية التشغيلية التي تدير الاشتباك البحري الإيراني في المضيق.
هذا هو المعنى العملي للخبر، وليس مجرد قيمته الدعائية.
بندر عباس بين الاغتيال والشائعة
الخبر الجديد جاء فوق أرضية ملتبسة أصلًا.
قبل نحو شهر، انتشرت شائعات عن اغتيال تنكسيري بعد انفجار في بندر عباس داخل مبنى سكني من 8 طوابق.
وقتها نفت وكالة “تسنيم” الإيرانية ودوائر قريبة من الحرس الثوري صحة الرواية، ووصفتها بأنها جزء من حرب نفسية تقودها جهات معادية.
كما نقلت تقارير أخرى أن إسرائيل نفسها نفت في ذلك التوقيت علاقتها بالانفجارين اللذين وقعا في بندر عباس والأهواز.
هذا السجل القريب يجعل التعامل مع إعلان الخميس أكثر تعقيدًا، لا أقل.
هنا تبدو الحرب النفسية جزءًا من ساحة القتال، لا مجرد هامش لها.
الباحث بهنام بن طالبلو وصف مقاربة إيران بأنها “سكين ومصافحة” في الوقت نفسه. المعنى واضح. تصعيد ميداني ورسائل ردع من جهة، وترك مساحة للمناورة السياسية من جهة أخرى.
وفي المقابل، تستخدم إسرائيل السياسة نفسها لكن بصورة معكوسة: تكثيف الاغتيالات والإعلانات الفورية، ثم دفع الخصم إلى الدفاع عن تماسكه الداخلي قبل أن يرد عسكريًا.
لذلك يصبح النفي الإيراني نفسه جزءًا من معركة منع الانهيار المعنوي، لا مجرد تصحيح خبر.
المؤكد حتى الآن أن إسرائيل أعلنت، صباح الخميس، انتهاء موجة كبيرة من الغارات على ما سمته بنية تحتية تابعة للنظام الإيراني في مواقع عدة داخل إيران، بينما تواصلت التقارير عن ضربات في أصفهان ومناطق أخرى.
هذا يعني أن بندر عباس لا تُقرأ كحادث منفصل. نحن أمام عملية أوسع تضرب العمق الإيراني وتستهدف البنية العسكرية والاتصالية والقيادية معًا. وكلما اتسعت الضربات، زادت قيمة أي اغتيال محتمل داخل هذا السياق.
مضيق هرمز في قلب الضربة
خطورة اسم تنكسيري لا تنفصل عن توقيت الحرب نفسها. مضيق هرمز ليس عنوانًا جانبيًا في النزاع.
هو شريان طاقة عالمي، وقد ارتبط اسم قائد بحرية الحرس الثوري به لسنوات عبر التهديد بالإغلاق أو الاستعداد السريع لتنفيذه.
الخزانة الأمريكية قالت صراحة في 2019 إن تنكسيري هدد بإغلاق المضيق واستهداف المصالح الأمريكية إذا خُنقت صادرات النفط الإيرانية.
وفي فبراير الماضي، أعادت دوائر قريبة من إيران تداول الرسالة ذاتها بصيغة أكثر مباشرة: التنفيذ ممكن إذا صدر الأمر.
من هنا تأتي أهمية بندر عباس.
المدينة الساحلية ليست مجرد ميناء جنوبي. هي عقدة عملياتية ملاصقة للمضيق وواجهة أساسية للقدرة الإيرانية على الضغط البحري.
الخبير فرزين نديمي أشار أيضًا إلى أن ساحة هرمز لا تعتمد على الرمز السياسي فقط، بل على شبكة قيادة ميدانية وقدرات محفوظة للمرحلة التالية من الحرب.
وإذا كانت إسرائيل قد قتلت فعلًا الرجل الذي يدير هذا الملف، فهي لا تضرب شخصًا فقط، بل تحاول تفكيك قدرة إيران على إدارة معركة الاستنزاف البحرية من رأسها التنفيذي.
أما اقتصاديًا، فالتداعيات لا تحتاج إلى مبالغة.
الخبير في جغرافيا النفط جريجوري برو قال هذا الشهر إن إغلاق هرمز غيّر رواية سوق الطاقة بالكامل، وإن الصدمة الحالية غير مسبوقة بحجم البراميل التي خرجت من السوق.
المعنى السياسي لكلامه أن أي ضربة تمس المسؤولين عن هذا الملف لن تبقى داخل الساحة العسكرية. ستنعكس فورًا على سوق النفط، وعلى حسابات الرد الإيراني، وعلى شهية القوى الكبرى لمزيد من التصعيد أو للبحث عن مخرج.
لذلك لا يمكن قراءة بندر عباس بعيدًا عن فاتورة الطاقة العالمية.
الخلاصة أن ما جرى، أو ما قيل إنه جرى، يتجاوز شخص تنكسيري نفسه. إسرائيل تريد تكريس صورة أنها صارت تضرب القادة داخل إيران ثم تعلن ذلك فورًا. وإيران تريد منع تثبيت هذه الصورة ما لم تعجز عن نفيها.
بين الروايتين، يبقى الثابت أن الحرب انتقلت إلى مرحلة أشد خطورة، عنوانها استهداف القيادات، وضرب المدن الساحلية، والاشتباك على شريان النفط العالمي، بينما تظل الحقيقة الكاملة معلقة إلى أن تتكلم طهران بوضوح أو تظهر أدلة لا تحمل توقيع طرف واحد في الحرب.

