يكشف قرار تحريك أسعار الوقود أن الحكومة لا تدير الأزمة الاقتصادية، بل تنقلها مباشرة إلى جيوب المواطنين كلما ضاقت بها الخيارات المالية. فالزيادة الأخيرة، التي رفعت أسعار البنزين والسولار بقيمة 3 جنيهات للتر اعتبارًا من 10 مارس، جاءت بينما كان التضخم السنوي في المدن قد تسارع بالفعل إلى 13.4% في فبراير، ما يعني أن القرار أضيف إلى موجة غلاء قائمة أصلًا ولم يبدأها من الصفر.

 

المشكلة هنا ليست في رقم الزيادة وحده، بل في توقيتها وأثرها المتشعب على كل بند تقريبًا في حياة الأسر، من الأجرة اليومية إلى فاتورة السلع الأساسية، ومن تكلفة نقل الغذاء إلى مصروفات الإنتاج والتوزيع. وحين تختار الحكومة أن ترفع تكلفة الطاقة في لحظة تآكل فيها الدخل الحقيقي للمواطن، فهي لا “تصحح الأسعار” فقط، بل تعمّق اختلالًا اجتماعيًا بات يضرب الفقراء وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى معًا.

 

ضربة جديدة للمعيشة

 

بدأت الزيادة الجديدة من قرار رسمي واضح برفع أسعار البنزين بأنواعه والسولار، فارتفع بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيهًا، والسولار من 17.5 إلى 20.5 جنيهًا، كما ارتفع سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية من 225 إلى 275 جنيهًا. وهذه الأرقام لا تقف عند حدود محطات الوقود، لأنها تنتقل تلقائيًا إلى أجرة النقل، وكلفة تشغيل الورش والمصانع، ثم إلى أسعار البيع النهائية التي يواجهها المستهلك في السوق.

 

الخبير الاقتصادي خالد الشافعي وصف توقيت القرار بأنه غير موفق، وحذر من أن رفع أسعار البنزين في هذه اللحظة قد يفاقم موجة التضخم في ظل ظروف معيشية صعبة وارتفاعات سابقة في أسعار السلع والخدمات. كما أشار إلى أن المواطن المصري يعاني أصلًا من محدودية الدخول وارتفاع كلفة المعيشة، وهو ما يجعل أي زيادة جديدة في الطاقة عبئًا مباشرًا لا توازيه إجراءات تخفيف حقيقية وفعالة.

 

هذا التوصيف ينسف الخطاب الحكومي المعتاد الذي يتحدث عن “إصلاحات” مجردة من أثرها الاجتماعي. فحين يكون الاقتصاد قد دخل مارس وهو يسجل تضخمًا سنويًا عند 13.4% بعد أن كان 11.9% في يناير، فإن القرار لا يمكن فصله عن بيئة تضخمية قائمة بالفعل، ولا عن تراجع متواصل في القوة الشرائية للأسر.

 

الأكثر خطورة أن القرار لا يضرب فقط الفئات الأشد فقرًا، بل يضغط أيضًا على الطبقة الوسطى التي كانت حتى وقت قريب قادرة على امتصاص جزء من الصدمات. وهذا ما أشار إليه الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، عندما أكد أن الفئات المتوسطة والفقيرة هي التي تتحمل الضريبة الأكبر جراء رفع أسعار المحروقات وتداعياتها اليومية المباشرة.

 

موجة غلاء تتسع

 

الأثر الأول والأسرع لرفع أسعار الوقود يظهر في النقل وتوزيع السلع الغذائية والخدمات اليومية، لأن هذه القطاعات تعتمد بصورة شبه كاملة على مشتقات البترول في الحركة والتشغيل. ولهذا شدد خالد الشافعي على أن قطاعات النقل والتوزيع والإنتاج تتأثر فورًا بأي تحريك في أسعار الطاقة، بما يعني أن الزيادة لا تبقى في حدود التكلفة الأصلية للوقود، بل تمتد إلى رفوف المتاجر وأسعار المنتجات في مختلف الأسواق.

 

بهذا المعنى، لا يدفع المواطن تكلفة البنزين أو السولار مرة واحدة، بل مرات متتالية. يدفعها أولًا حين يركب المواصلات، ثم يدفعها ثانية في سعر الخبز والخضروات والسلع الأساسية، ثم يدفعها ثالثة حين يرفع المنتجون أسعارهم لتعويض كلفة التشغيل المرتفعة والحفاظ على هوامش الربح.

 

ولهذا طالب الشافعي بتشديد الرقابة على الأسواق ومواجهة أي ممارسات احتكارية أو زيادات غير مبررة تفوق الارتفاع الحقيقي في تكلفة الطاقة. كما رأى أن إدارة ملف الأسعار تتطلب توازنًا بين أي إصلاح اقتصادي مزعوم وبين حماية المستهلك من ضغوط معيشية متزايدة، وهو اعتراف ضمني بأن ما جرى حتى الآن يفتقر إلى هذا التوازن.

 

من جهته، قدّم الدكتور علي الإدريسي، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، توصيفًا اقتصاديًا مباشرًا للمشكلة حين قال إن الوقود سلعة وسيطة محورية تدخل في حسابات تكلفة الغالبية العظمى من السلع والخدمات الأساسية في مصر. وبهذا المعنى، فإن رفع أسعار الوقود ليس قرارًا قطاعيًا يخص السيارات أو النقل فقط، بل خطوة تضخمية عابرة لكل القطاعات تقريبًا، من الغذاء إلى الصناعة إلى الخدمات.

 

وتتأكد هذه القراءة مع بيانات التضخم نفسها، إذ أظهر فبراير ارتفاعًا سنويًا في المدن إلى 13.4%، وارتفاعًا شهريًا أيضًا، ما يكشف أن الأسعار كانت تتحرك صعودًا قبل القرار الأخير، وأن الوقود جاء ليضيف موجة جديدة فوق موجة قائمة أصلًا. لذلك يبدو الحديث الرسمي عن أن السوق سيستوعب الزيادة بلا ارتدادات واسعة نوعًا من الإنكار، لا قراءة جدية لما تقوله الأرقام.

 

حكومة بلا حماية

 

يرى سعيد صادق أن الخطر لا يقتصر على الأيام الأولى بعد الزيادة، بل يمتد إلى احتمال بقاء الأسعار مرتفعة حتى لو هدأت العوامل الخارجية مثل أسعار النفط أو التوترات الإقليمية. وهذا التقدير مهم لأن التجربة المصرية خلال السنوات الماضية تقول إن الأسعار ترتفع سريعًا مع أي صدمة، لكنها نادرًا ما تعود إلى ما كانت عليه عندما تنحسر تلك الصدمة.

 

من هنا، تصبح المشكلة في غياب سياسة حماية اجتماعية واسعة بقدر ما هي في قرار الزيادة نفسه. سعيد صادق شدد على أن الإجراءات الحالية تتطلب توسيع برامج الحماية بحيث لا تقتصر على الفئات الأشد فقرًا فقط، بل تشمل أيضًا الطبقة المتوسطة التي بدأت تعاني بوضوح. لكن الحكومة، بدلًا من بناء شبكة أمان تناسب حجم الضغوط، تبدو أكثر ميلًا إلى ترك السوق يعيد توزيع العبء وحده، أي على حساب الأسر الأضعف دائمًا.

 

أما علي الإدريسي فربط معالجة الأزمة بضرورة استمرار عجلة الإنتاج وتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي، مع تبني مشروعات قصيرة الأجل لامتصاص الصدمات. وهذه ملاحظة جوهرية، لأن الاعتماد المتكرر على رفع الأسعار لسد فجوات مالية أو تخفيف أعباء دعم لا يبني اقتصادًا منتجًا، بل ينقل التكلفة من الموازنة العامة إلى المواطن مباشرة.

 

الحكومة، عمليًا، اختارت المسار الأسهل: رفع السعر ثم مطالبة السوق بالانضباط، بدلًا من معالجة جذور الأزمة في الإنتاج والنقل والكفاءة والرقابة. لذلك لم يعد السؤال إن كانت أسعار الوقود سترفع التضخم أم لا، بل إلى أي مدى ستدفع هذه الزيادة شرائح أوسع إلى ما دون خط الاحتمال المعيشي، وإلى أي حد ستواصل الدولة تمويل أزماتها من جيب المواطن الذي استنزفته أصلًا موجات الغلاء السابقة.

 

في المحصلة، لا يبدو قرار تحريك أسعار الوقود خطوة إصلاحية بقدر ما يبدو إعلانًا جديدًا عن عجز الحكومة عن إدارة الاقتصاد من دون تحميل المجتمع كلفة الفشل. فالزيادة جاءت في بيئة تضخمية قائمة، وضربت النقل والغذاء والخدمات، وفتحت الباب لجولة جديدة من المبالغة السعرية، بينما بقيت الحماية الاجتماعية والرقابة الفعلية أضعف من أن تمنع تحول القرار إلى عقاب يومي مفتوح على ملايين المصريين.