في الوقت الذي تواصل فيه السلطة التباهي بمشروعات "التطوير" و"التوسعة" على الطريق الدائري، يجد آلاف المواطنين في منطقة المرج أنفسهم محاصرين فعليًا، بعد أن تحوّل الطريق إلى حاجز إسمنتي يعزلهم عن المواصلات والحياة اليومية.

 

طلب الإحاطة العاجل الذي تقدمت به النائبة مي كرم جبر، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، ليس مجرد إجراء برلماني روتيني، بل شهادة رسمية بأن ما يجري على الأرض تطوير بلا إنسان، يدوس على حق السكان في التنقل الآمن والحد الأدنى من الكرامة.

 

عزلة مفروضة... الطريق الدائري يتحول من شريان حياة إلى جدار فصل

 

النائبة مي كرم جبر توجهت بطلب إحاطة عاجل موجه إلى وزير التنمية المحلية ووزير النقل، لتوثق معاناة أهالي المرج مع ما سمّته عمليًا "عزلة الطريق الدائري".

 

فأعمال التوسعة والهدم على جانبي الطريق لم تُراعِ وجود تجمعات سكنية كثيفة تعتمد يوميًا على هذا المحور للوصول إلى أعمالها ومدارسها ومستشفياتها، بل جرى التعامل مع المنطقة وكأنها فراغ بلا بشر.

 

الأهالي – وفق ما نقلته النائبة – لم يطالبوا بكباري فاخرة أو محاور ضخمة؛ بل بحدٍّ أدنى من الوسائل الآمنة يجعل حياتهم ممكنة: وصلة مشاة تربطهم بالطريق الدائري. لكن حتى هذا الحد الأدنى تم تجاهله.

 

الرمز الفاضح لحجم الإهمال هو "السلم الخشبي" الذي صنعه الأهالي بأنفسهم، في محاولة يائسة لتجاوز العزلة، قبل أن يتهدم ويتركهم في فراغ خطير: طريق سريع فوقهم، ولا وسيلة للوصول إليه أو تجاوزه دون المخاطرة بحياتهم.

 

بهذا الشكل، أصبح الطريق الدائري بالنسبة لأهالي المرج حائطًا عازلًا لا شريانًا مروريًا، وتحولت مشاوير العمل والتعليم والعلاج إلى مغامرة يومية، يدفع ثمنها البسطاء وحدهم.

 

تطوير بلا إنسان: مشروعات الطرق تأكل حياة المواطنين

 

طلب الإحاطة يفضح خللًا أعمق من مجرد غياب سلم مشاة؛ فهو يكشف نمطًا متكررًا في "فلسفة التطوير" السائدة: الخرسانة أولًا… والإنسان في آخر القائمة إن ذُكر أصلًا.

 

النائبة توضح أن غياب أي بديل آمن حاليًا يعطّل حياة شرائح واسعة من السكان:

 

  • طلاب لا يستطيعون الوصول إلى مدارسهم وجامعاتهم بسهولة.
  • موظفون وعمال تتعرض وظائفهم للخطر بسبب التأخير المتكرر أو تعذر الوصول.
  • أسر تجد نفسها مضطرة لتحمل تكاليف إضافية في وسائل نقل بديلة، أو تغيير أماكن العمل أو الدراسة إن أمكن.

 

هذه ليست "تفاصيل ثانوية"، بل مساس مباشر بحقوق دستورية أساسية: حق التنقل، وحق التعليم، وحق العمل، وحق العيش في بيئة آمنة.

 

النائبة تذكّر – ضمناً – بأن تطوير الطرق لا يجوز أن يكون مشروعا هندسيًا معزولًا عن الواقع الاجتماعي، ولا يمكن قبول منطق "نوسّع الطريق ثم نفكر في الناس بعدين".

 

فالتوسعة التي لا تضع حياة الناس في قلب التصميم تتحول من مشروع تطوير إلى مشروع عقاب جماعي، يدفع ثمنه سكان مرهقون أصلًا من أعباء الغلاء وضغط المعيشة.

 

مسؤولية الدولة والوزارات: حلول فورية لا وعود مؤجلة

 

مطلب مي كرم جبر كان واضحًا:

 

  • تدخل فوري من وزارة النقل ووزارة التنمية المحلية لدراسة الموقف الهندسي على الأرض.
  • إنشاء سلم آمن للمشاة كحل عاجل، إلى أن يتم الانتهاء من تطوير الطريق الدائري بشكل كامل.

 

هذه ليست "رفاهية تخطيط"، بل إجراءات حياة أو موت؛ فغياب معابر آمنة للمشاة في محيط طرق سريعة يعني حوادث دهس مؤكدة، وشهدنا نماذج مشابهة في مناطق أخرى حول القاهرة الكبرى.

 

النائبة طالبت كذلك بإحالة الملف إلى اللجنة المختصة في مجلس النواب لمناقشته بصورة عاجلة، وبحضور ممثلي الوزارات المعنية، مع وضع جدول زمني واضح للتنفيذ، لا يترك السكان تحت رحمة وعود مطاطة.

 

فالمشكلة لا تتعلق فقط بنقطة واحدة في المرج، بل تكشف عن خلل منهجي في إدارة مشروعات الطرق:

 

  • غياب دراسات أثر اجتماعي حقيقية قبل التنفيذ.
  • ضعف التنسيق بين الجهات المنفذة والسلطات المحلية.
  • الإصرار على البدء في الهدم والتوسعة قبل توفير بدائل عملية للناس.

 

الأخطر أن هذه الصورة تتكرر في أكثر من منطقة على حواف القاهرة الكبرى، حيث تحوّلت مشروعات الطرق والكباري، في غياب رؤية متكاملة، إلى مقصلة عمرانية تطرد الفقراء، وتعزل الأحياء الشعبية، وتتعامل مع البشر كعقبات في مسار الأسفلت.

 

من المرج إلى مصر كلها: متى يصبح المواطن جزءًا من معادلة التخطيط؟

 

قضية أهالي المرج ليست حادثة معزولة، بل مرآة لوضع أوسع في مصر، حيث تتقدم "مشروعات الطرق العملاقة" في الإعلام واللافتات، بينما تتراجع هموم الناس الفعلية إلى الهوامش.

 

في كل مرة يتم فيها شق طريق جديد أو توسعة محور قديم، يدفع سكان الأحياء المجاورة الثمن: نزع ملكية، هدم، ضوضاء، تلوث… والآن عزلة مرورية.

 

طلب الإحاطة الذي تقدمت به مي كرم جبر يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي:

هل ستتعامل مع شكاوى المواطنين في المرج كضجيج يمكن امتصاصه بالتصريحات؟

أم ستتعامل معها كجرس إنذار يستوجب إعادة النظر في كيفية تخطيط وتنفيذ مشروعات البنية التحتية؟

 

إذا كانت الدولة جادة في خطابها عن "الجمهورية الجديدة" و"تحسين جودة الحياة"، فالبداية ليست من كاميرات الدعاية على الطريق الدائري، بل من سلم مشاة آمن يضمن لطفل في المرج أن يصل إلى مدرسته دون أن يخاطر بحياته، ولموظف بسيط أن يصل إلى عمله دون أن يشعر أنه يعيش في جزيرة معزولة داخل مدينته.

 

إلى أن يحدث ذلك، ستظل عبارة "عزلة الطريق الدائري" عنوانًا صارخًا على فجوة عميقة بين لغة السلطة على الشاشات، وواقع الناس تحت الكباري وعلى حواف الأسفلت.