تقدّمت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير العمل، كاشفةً بأرقام رسمية وصادمة أن عمال التوصيل في مصر يعملون في واحد من أخطر أنماط العمل المعاصرة، لكنهم يظلون خارج مظلة الحماية القانونية والتأمينية، في تعارض واضح مع الدستور وكل الخطاب الرسمي عن «العمل اللائق» و«الحماية الاجتماعية».
الطلب استند إلى تقدير سابق لمساعدة وزيرة التضامن للحماية وشبكة الأمان الاجتماعي في أغسطس 2022، تحدّثت فيه عن نحو 6 ملايين عامل في خدمات التوصيل، وهو رقم لم يُحدَّث حتى اليوم، ما يعني أن عدد «الطيّارين» والمتعاملين مع المنصات الرقمية والمطاعم والمتاجر والمكاتب الوسيطة مرشح للتضاعف في ضوء توسع اقتصاد المنصات في مصر.
في المقابل، تكشف البيانات التي عرضتها النائبة، مدعومةً بتحقيقات استقصائية، عن واقع أقرب إلى «نظام استعباد حديث» منه إلى سوق عمل منظم: حوادث جسيمة بلا تعويض، عقود غائبة أو صورية، إيصالات أمانة وكمبيالات للابتزاز، وحرمان شبه كامل من التأمينات الاجتماعية والصحية.
وهي صورة تتقاطع مع ما ترصده تقارير دولية عن عمال المنصات في العالم، الذين يجري تصنيفهم كـ«مستقلين» للتهرب من الأجر العادل والتأمين والضمان الاجتماعي.
مهنة «الدليفري» بين أخطر المهن وأضعف الحقوق
طلب الإحاطة يعرّف عمال التوصيل بأنهم كل من يباشرون نقل وتسليم الطلبات والبضائع والخدمات للمواطنين: عبر المنصات الرقمية، أو المطاعم والمتاجر، أو المكاتب الوسيطة، أو بصورة فردية، باستخدام الدراجات النارية أو الهوائية أو السيارات، وبنظم عمل مرنة أو غير منتظمة، في قطاع يتسع يومًا بعد يوم دون تنظيم قانوني وتنفيذي متكامل.
خلف هذا التوصيف القانوني، تقف أرقام قاسية:
- 63% من عمال التوصيل تعرّضوا لحوادث أو إصابات أثناء العمل.
- 2% فقط حصلوا على أي تعويض عن إصابة العمل.
- 80% يعملون دون عقود مكتوبة.
- 97% غير مؤمَّن عليهم اجتماعيًا.
- 12% فقط يتمتعون بأي شكل من أشكال التأمين الصحي.
- 48% أُجبروا على توقيع إيصالات أمانة أو كمبيالات.
- 54% تعرّضوا لخصومات غير مبررة من الأجور.
- 21.5% تعرّضوا للفصل التعسفي.
- 97% يقولون إنهم لا يشعرون بأي أمان مادي أو اجتماعي.
هذه الصورة لا تفاجئ الخبير الاجتماعي الدكتور سعيد صادق، الذي وصف مهنة عامل التوصيل قبل سنوات بأنها «ظاهرة تطوّق جميع محافظات الجمهورية»، وأن جزءًا كبيرًا من الشباب انجذب إليها تحت وطأة غياب فرص العمل الحكومية وسهولة الدخول إلى هذا النوع من العمل.
لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن الاعتماد عليها بهذا الشكل يعني تحويل أجيال كاملة إلى عمالة هشّة بلا استقرار ولا حماية حقيقية.
اقتصاديًا، يلفت الخبير الدكتور بلال شعيب إلى أن عمال «الدليفري» أصبحوا عصب قطاع التجزئة في ظل التحول الرقمي، وصعود التجارة الإلكترونية، وزيادة الاعتماد على طلب الطعام والتسوق عبر التطبيقات، خاصة بعد جائحة كورونا.
ويرى شعيب أن هذه الأهمية الاقتصادية لم تُترجم إلى اعتراف قانوني أو نقابي بمكانة هذه الشريحة، بل استُخدمت لتبرير مزيد من الضغط عليهم باسم «مرونة العمل» و«الاقتصاد التشاركي».
بمعنى آخر، الدولة والشركات تستفيد من وجود نحو 6 ملايين عامل يتحملون وحدهم مخاطر الطرق والحوادث وتقلبات السوق، بينما تُترك حقوقهم الأساسية ـ من عقد وتأمين وتعويض ـ معلّقة في الهواء.
قانون العمل الجديد وعقود «الاستعباد»: كيف يُفرَّغ النص من مضمونه؟
من الناحية التشريعية، تستند النائبة مها عبد الناصر إلى قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، الذي يفترض أنه استحدث إطارًا قانونيًا لأنماط العمل الجديدة، ومنها العمل عبر المنصات. المادة (99) تنص بوضوح على أن علاقة العمل في هذه الأنماط يجب أن تكون محددة بعقد عمل مكتوب، ورقيًا أو إلكترونيًا، مع إتاحة إثبات علاقة العمل بكافة طرق الإثبات.
لكن الواقع ـ كما تقول النائبة ـ يكشف أن نسبة كبيرة من عمال التوصيل لا تربطهم أي عقود، أو تُفرض عليهم صيغ تعاقدية بديلة تصنّفهم كمقدمي خدمات لا كعمال، فتسحب عنهم الحماية التي يضمنها القانون.
تحقيق استقصائي موسّع حول شركات التوصيل في مصر كشف آليات هذا التحايل بالتفصيل: عمال يُجبرون على توقيع عقود «تقديم خدمات» تُعاملهم كـ«شركاء مستقلين»، مع أجر بالساعة أو بالطلب، دون التزام بالتأمينات أو تعويضات إصابات العمل أو الإجازات، ودون تحمّل أي مسؤولية عن الحوادث أو صيانة الدراجات، بل مع منح الشركات حق إنهاء التعاقد فورًا عند أي شكوى، في مقابل إلزام العامل بعدم العمل مع شركات منافسة لمدة قد تمتد حتى عام بعد انتهاء العلاقة.
المحامي الحقوقي مالك عدلي، رئيس المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وصف هذه الصيغة بوضوح بأنها «عقود استعباد»، موضحًا أن هذه العقود لا تُعتدّ بها كعقود عمل، ولا تلتزم بالحد الأدنى للأجور أو بمعايير السلامة والصحة المهنية أو بتنظيم ساعات العمل، وأن إجبار العمال على توقيع إيصالات أمانة يحوّل العلاقة من علاقة عمل إلى علاقة ابتزاز مفتوحة تهدد حريتهم نفسها، لا لقمة عيشهم فقط.
هذا الوضع لا يخرق روح قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 فقط، بل يتعارض كذلك مع الاتجاهات الدولية.
تقارير منظمة العمل الدولية تشير بوضوح إلى أن شركات المنصات حول العالم تلجأ إلى تصنيف العمال كـ«عاملين مستقلين» للتهرب من الالتزامات المتعلقة بالحد الأدنى للأجور والسلامة والتأمين الاجتماعي، وتطالب الدول بوضع أطر تنظيمية جديدة تضمن علاقة عمل حقيقية وحماية اجتماعية ملائمة لعمال الاقتصاد الرقمي.
في مصر، يبدو أن النص القانوني سبق الممارسة التنفيذية والتنظيمية بأشواط؛ قانون يعترف بأنماط العمل الجديدة، لكن أجهزة الدولة تترك عمال التوصيل لمواجهة شركات ضخمة منفردين، بعقود مجحفة وإيصالات أمانة وقضايا محتملة، في غياب نقابات مستقلة أو آليات فعالة لتلقي الشكاوى وإنصاف المتضررين.
«سلامتك تهمنا» وصناديق الغموض: حماية على الورق وواقع يهدد السلم الاجتماعي
على مستوى الخطاب الرسمي، تحرص وزارة العمل على التأكيد أنها تتحرك لحماية عمال التوصيل.
الوزير محمد جبران أعلن أكثر من مرة عن خطط لتسجيل عمال «الدليفري» ضمن قاعدة بيانات العمالة غير المنتظمة، وتوفير «بيئة عمل لائقة وآمنة» لهم، باعتبارهم من الفئات الأكثر احتياجًا.
كما أطلقت الوزارة الحملة الوطنية «سلامتك تهمنا» لتدريب العمال، وتوزيع معدات الوقاية، وتفعيل أكواد السلامة المهنية بالتعاون مع شركات كبرى مثل «طلبات مصر»، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية، وفق البيانات الرسمية.
لكن طلب الإحاطة يضع هذا الخطاب تحت المجهر؛ فالحملة ـ كما تقول النائبة ـ تفتقر إلى أي شفافية حقيقية حول آليات الإلزام والرقابة والجزاءات: لا توجد بيانات منشورة عن حجم التفتيش على الشركات، ولا عن المخالفات التي تم ضبطها، ولا عن الشكاوى التي تلقّتها الوزارة وما إذا كانت انتهت إلى تعويضات أو عقوبات.
بكلمات أخرى، الحملة تبدو أقرب إلى مبادرة علاقات عامة منها إلى سياسة مُلزمة تغيّر واقعًا ينتج 63% إصابات عمل و97% عمالًا بلا تأمين.
اقتصاديًا، يلفت الخبير الدكتور محمد عبد الهادي إلى أن أجور عمال التوصيل في مصر تدور في المتوسط بين 150 و200 جنيه في اليوم، أي أقل من 5 دولارات تقريبًا، وهو مستوى لا يليق بطبيعة العمل الشاقة ولا بخطورته، ولا يقارن بما يحصل عليه عمال المهنة نفسها في دول أخرى.
وعندما تُضاف إلى هذه الأجور المنخفضة الخصومات التعسفية، وإيصالات الأمانة، وغياب التأمينات والتعويضات، تصبح النتيجة ـ كما تحذّر النائبة ـ ملايين العمال الذين يتحملون وحدهم كلفة خطر يومي على الطرق السريعة والشوارع المزدحمة، بلا شبكة أمان حقيقية.
تزيد الضبابية مع ما أُعلن عن دراسة إنشاء صناديق خاصة لتغطية مخاطر الحوادث والعلاج لعمال التوصيل؛ أسئلة النائبة مباشرة: هل أُنشئت هذه الصناديق بالفعل؟ ما إطارها القانوني؟ هل عُرضت على البرلمان؟ هل تُعد بديلًا عن التأمين الاجتماعي والصحي أم مكملة له؟ وما مصادر تمويلها وكيف تُدار؟
حتى الآن لا إجابات علنية، ما يثير الشك في أن فكرة «الصناديق» قد تتحول إلى وسيلة جديدة لتفريغ فكرة التأمين الاجتماعي من مضمونها، عبر استبدالها بآليات طوعية أو خيرية لا تُلزم أصحاب الأعمال ولا الدولة.
في النهاية، تحذّر مها عبد الناصر صراحة من أن استمرار هذا الوضع يُبقي شريحة ضخمة من العمال خارج مظلة الحماية الاجتماعية، في مخالفة صريحة للدستور الذي يكفل الحق في العمل اللائق والصحة والحماية الاجتماعية، ويهدد السلم الاجتماعي ذاته.
المطلوب الآن ليس شعارات جديدة، بل إجراءات ملموسة: تطبيق فعلي للمادة (99) بإلزام المنصات والمطاعم والمكاتب الوسيطة بعقود عمل حقيقية؛ حظر قانوني لإيصالات الأمانة كأداة ابتزاز في علاقات العمل؛ إدماج عمال التوصيل فورًا في التأمينين الاجتماعي والصحي؛ وتمكينهم من أشكال تنظيم نقابي تمثيلي تدافع عن حقوقهم في مواجهة تعسف الشركات.
من دون ذلك، سيظل كل شعار من نوع «سلامتك تهمنا» مجرد عبارة على ملصق، في وقت تُسحق فيه سلامة هؤلاء العمال وحقوقهم تحت عجلات أرباح اقتصاد المنصات.

