إعلان مجموعة موانئ أبوظبي عن توقيع اتفاقية تمويل بقيمة 115 مليون دولار لدعم تطوير "مواني نواتوم – محطة سفاجا" في محافظة البحر الأحمر، مع توقع إتمام الإغلاق المالي خلال الربع الأول من العام الجاري، يبدو على الورق جزءًا من مشروع "تحديث البنية التحتية للموانئ" في مصر.
الاتفاق تم عبر محفظة إقراض مشتركة تديرها مؤسسة التمويل الدولية، بمشاركة بنك الكويت الوطني – مصر ومؤسسات استثمارية أخرى، وبأجل استحقاق يمتد إلى 15 عامًا، وتحت مظلة اتفاقية امتياز مدتها 30 عامًا وقّعتها المجموعة الإماراتية مع هيئة موانئ البحر الأحمر سنة 2023 لتطوير وتشغيل محطة متعددة الأغراض في ميناء سفاجا تحت اسم "مواني نواتوم – محطة سفاجا".
لكن خلف لغة البيانات الناعمة عن "التزام طويل الأمد" و"تعزيز الخدمات اللوجستية عبر الأسواق الدولية الرئيسية"، يتشكل واقع مختلف: تركز غير مسبوق للامتيازات والسيطرة على موانئ مصرية استراتيجية في يد مجموعة موانئ أبوظبي، وسط تحذيرات من خبراء من التساهل في الشروط، مقابل مسؤولين حكوميين يبررون اللجوء إلى الشركة الإماراتية بحجة "محدودية البدائل المتاحة".
هنا تصبح الأرقام والأسماء – من مؤسسة التمويل الدولية إلى بنك الكويت الوطني – مصر، ومن محمد جمعة الشامسي إلى مختار ديوب – جزءًا من قصة نفوذ عابر للحدود يُعاد رسمه على حساب السيادة الاقتصادية المصرية.
تمويل بـ115 مليون دولار وامتياز 30 سنة: ديون طويلة الأجل بغطاء "التطوير"
اتفاقية التمويل الجديدة التي أعلنتها مجموعة موانئ أبوظبي تقوم على إنشاء محفظة إقراض مشتركة تديرها مؤسسة التمويل الدولية، بمشاركة بنك الكويت الوطني – مصر ومؤسسات استثمارية أخرى، وبأجل استحقاق 15 عامًا. على السطح، تبدو الصفقة نموذجًا لـ"تمويل تنموي" يربط بين رأسمال خليجي ومؤسسات دولية، لكن في العمق نحن أمام صيغة كلاسيكية: مشروع بقيمة إجمالية تقارب 200 مليون دولار، جزء معتبر منها ممول بالدَّين، مرتبط باتفاقية امتياز تمتد 30 سنة لصالح مستثمر أجنبي يدير "مواني نواتوم – محطة سفاجا" في ميناء سفاجا على ساحل البحر الأحمر في مصر.
المجموعة تقول إن الاتفاق "يؤكد التزام مجموعتنا طويل الأمد بتوسيع البنية التحتية الحيوية للمواني، وتعزيز الخدمات اللوجستية عبر الأسواق الدولية الرئيسية".
لكن السؤال: التزام طويل الأمد تجاه من؟ تجاه الاقتصاد المصري أم تجاه تعظيم عائد مجموعة موانئ أبوظبي وحلفائها من مؤسسة التمويل الدولية وبنك الكويت الوطني – مصر؟
امتياز لمدة 30 عامًا، فوق تمويل ممتد حتى 15 عامًا، يعني عمليًا أن مصير واحد من أهم موانئ البحر الأحمر في يد مجموعة أجنبية لعقود، بينما تتحمل مصر – بشكل مباشر أو غير مباشر – كلفة تهيئة البيئة، والأراضي، وتبعات أي تعثر اقتصادي أو سياسي.
الخطير أن هذه ليست الصفقة الأولى ولا الوحيدة "خلال السنوات الماضية". فالمجموعة نفسها توسعت في توقيع اتفاقات مع القطاع الخاص والحكومة المصرية للدخول في أنشطة مختلفة مرتبطة بصناعة النقل.
خبراء حذّروا بالفعل من تركز الامتيازات في يد مجموعة موانئ أبوظبي ومدى تساهل الشروط الممنوحة لها، لكن صانع القرار اختار تجاهل هذه التحذيرات، ليكتفي بترديد ما يقوله مسؤولون حكوميون من أن "اللجوء للشركة كان ضروريًا" في ظل "محدودية البدائل المتاحة"؛ وكأن البدائل قدرٌ غيبيّ لا علاقة له بسياسات تهميش وتصفية القطاع العام المصري، وإخراج المنافسين المحليين من الحلبة لصالح لاعب خارجي واحد مفضَّل.
من "مواني نواتوم – محطة سفاجا" إلى "كيزاد شرق بورسعيد": خريطة تمدد من صعيد مصر حتى مدخل قناة السويس والإسكندرية
"مواني نواتوم – محطة سفاجا" ليست مجرد محطة متعددة الأغراض على ساحل البحر الأحمر في محافظة البحر الأحمر؛ البيان نفسه يصفها بأنها أول محطة بحرية دولية في منطقة صعيد مصر.
هذا يعني أن البوابة البحرية الرئيسية للصعيد، المرتبطة بممرات تصدير واستيراد حيوية، تُسلَّم عمليًا لإدارة أجنبية لعقود طويلة.
التمدد لا يتوقف عند سفاجا. مجموعة موانئ أبوظبي تؤكد في البيان أن استثماراتها في مصر تشمل أنشطة شحن الحاويات، وتشغيل المحطات وأعمال الشحن والتفريغ، إلى جانب خدمات الوكالات البحرية وخدمات نقل البضائع، أي أنها تدخل في كل حلقات سلسلة القيمة اللوجستية تقريبًا.
فوق ذلك، تعمل المجموعة على تطوير محطات للسفن السياحية في الموانئ المطلة على البحر الأحمر في سفاجا والغردقة وشرم الشيخ، لتضيف السياحة البحرية إلى محفظة نفوذها.
في مايو الماضى، وسّعت المجموعة محفظتها الاستثمارية بتوقيع اتفاقية حق انتفاع قابلة للتجديد لمدة 50 سنة لتطوير وتشغيل "كيزاد شرق بورسعيد" الصناعية واللوجستية، على مساحة تمتد إلى 20 كيلومتر مربع عند مدخل قناة السويس على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
50 سنة قابلة للتجديد عند بوابة قناة السويس ليست مجرد "فرصة استثمارية"، بل رهن طويل الأمد لواحدة من أكثر الرقع الجغرافية حساسية في مصر لصالح مجموعة موانئ أبوظبي.
ثم جاء نوفمبر الماضى ليشهد خطوة أعمق: اشترت المجموعة أول حصصها البالغة 19.3% في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، الشركة المصرية التي تمثل قلبًا مهمًا لحركة الحاويات والبضائع في ميناء الإسكندرية.
ولم تكتفِ بذلك؛ففي ديسمبر الماضى كشفت مجموعة موانئ أبوظبي عن سعيها إلى الاستحواذ على نحو 32% من أسهم الشركة، ما يمنحها حصة أغلبية مسيطرة.
بهذا، تجد مصر نفسها أمام مشهد مقلق: امتياز لـ"مواني نواتوم – محطة سفاجا" في البحر الأحمر لمدة 30 سنة، حق انتفاع لـ"كيزاد شرق بورسعيد" لمدة 50 سنة قابلة للتجديد عند مدخل قناة السويس، وحصة مسيطرة محتملة في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع على البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب السيطرة على أنشطة شحن الحاويات، وتشغيل المحطات، وأعمال الشحن والتفريغ، وخدمات الوكالات البحرية، وخدمات نقل البضائع، وتطوير محطات السفن السياحية في سفاجا والغردقة وشرم الشيخ.
هذه ليست مجرد "استثمارات إماراتية في مصر"، بل شبكة سيطرة متنامية لمجموعة موانئ أبوظبي على نقاط الخنق الأساسية لحركة التجارة في البلد: صعيد مصر عبر "مواني نواتوم – محطة سفاجا"، مدخل قناة السويس عبر "كيزاد شرق بورسعيد"، والواجهة البحرية الأهم على المتوسط عبر شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع.
من محمد جمعة الشامسي إلى مختار ديوب: خطاب تنمية يجمّل حقيقة تركُّز السلطة في البحر بأيدٍ غير مصرية
في البيان الذي أعلنت فيه مجموعة موانئ أبوظبي عن اتفاق تمويل الـ115 مليون دولار، خرج العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للمجموعة، محمد جمعة الشامسي، ليؤكد أن الاتفاقية "تعكس نهج المجموعة في تمويل مشاريع البنى التحتية طويلة الأمد في الأسواق سريعة النمو، من خلال شراكات متعددة الأطراف ومؤسسات استثمارية عالمية".
اللغة هنا مدروسة: "أسواق سريعة النمو" و"مشاريع بنى تحتية طويلة الأمد" و"شراكات متعددة الأطراف".
لكنها تتجاهل الحقيقة البسيطة: هذه "الأسواق" ليست مجرد فرصة استثمارية، بل دول ذات سيادة، وموانئها ليست سلعة عابرة، بل أصول استراتيجية تحدد مستقبل أمنها القومي واقتصادها لعقود.
على الجانب الآخر، يظهر المدير المنتدب لمؤسسة التمويل الدولية، مختار ديوب، ليكتمل المشهد الدولي.
ديوب يقول في البيان إن مشروع سفاجا "سيسهم في تعزيز مكانة مصر كمركز محوري للتجارة، وخفض التكاليف على الشركات المحلية، وخلق فرص عمل نوعية عالية القيمة، إلى جانب تعزيز موقع الإمارات كمحرّك إقليمي للنمو وشريك في تعميق التكامل الاقتصادي".
حتى في جملة الدعاية الرسمية، لا تغيب الإمارات؛ فمشروع "مواني نواتوم – محطة سفاجا" يُقدَّم في الوقت نفسه كرافعة لمكانة مصر التجارية، وكوسيلة لتعزيز موقع الإمارات كمحرك إقليمي للنمو.
المعادلة كما يرسمها محمد جمعة الشامسي ومختار ديوب تبدو جميلة على الورق، لكنها من زاوية المصلحة الوطنية المصرية تطرح أسئلة قاسية.
هل خفض التكاليف على الشركات المحلية – إن حدث – يبرر تسليم امتيازات تمتد 30 سنة في ميناء سفاجا، و50 سنة قابلة للتجديد في "كيزاد شرق بورسعيد"، وحصة 19.3% تمهيدًا لـ32% مسيطرة في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع؟
هل وظائف "نوعية عالية القيمة" تخلقها مجموعة موانئ أبوظبي ومؤسسة التمويل الدولية تكفي لتعويض فقدان الدولة المصرية سيطرتها الفعلية على مفاصل حركة الحاويات والبضائع في البحر الأحمر والمتوسط؟
البيان الرسمي يعدد مزايا التمويل متعدد الأطراف ومحفظة الإقراض المشتركة التي تديرها مؤسسة التمويل الدولية بأجل استحقاق 15 عامًا، لكنه لا يقترب من ملف الشفافية:
ما هي شروط اتفاقية الامتياز لمدة 30 عامًا مع هيئة موانئ البحر الأحمر في سنة 2023؟
ما نصوص حق الانتفاع لمدة 50 سنة في "كيزاد شرق بورسعيد" على مساحة 20 كيلومتر مربع عند مدخل قناة السويس؟
ما الذي حصلت عليه مصر مقابل السماح لمجموعة موانئ أبوظبي بالتوسع في أنشطة شحن الحاويات، وتشغيل المحطات، وأعمال الشحن والتفريغ، وخدمات الوكالات البحرية، وخدمات نقل البضائع، وتطوير محطات السفن السياحية في سفاجا والغردقة وشرم الشيخ؟
في غياب إجابات واضحة من البرلمان أو الحكومة، تبدو الصورة أقرب إلى عملية نقل بطيئة ومنهجية للسيطرة على الموانئ المصرية من الدولة إلى مجموعة موانئ أبوظبي، برعاية مؤسسات دولية مثل مؤسسة التمويل الدولية وبنك الكويت الوطني – مصر، وبغطاء شعارات "التكامل الاقتصادي" و"مركز محوري للتجارة".
لكن beneath الشعارات، يظل السؤال المزعج قائمًا: هل تتحول مصر، عبر هذه الصفقات المتراكمة، إلى مجرد "مساحة تشغيل" لـ"محرك إقليمي للنمو" اسمه الإمارات، بينما تتراجع قدرتها على رسم سياساتها الملاحية والتجارية لصالح من يملك الامتياز، ومن يموّل، ومن يدير محفظة الإقراض المشتركة لعقد ونصف وعقدين وخمسة عقود قادمة؟

