بحث حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي في الكواليس رفع أسعار الكهرباء خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، بالتوازي مع مناقشة زيادة جديدة في أسعار الوقود مع بداية العام المالي في يوليو 2026، في وقت تعاني فيه قطاعات الطاقة من أزمة سيولة خانقة، وتضخم ديون متراكمة على الجهات الحكومية تقدَّر – وفق مصادر رسمية – بنحو 800 مليار جنيه لصالح وزارتي الكهرباء والبترول. هذه التحركات لا تأتي بمعزل عن ضغوط صندوق النقد الدولي، وخطة أوسع لإنهاء ما تبقّى من دعم الطاقة والوصول إلى أسعار «اقتصادية» كاملة خلال العامين القادمين.
800 مليار جنيه ديون متراكمة.. فاتورة توسّع بلا عائد حقيقي
تشير مصادر في وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة إلى أن أزمة الديون الحالية تعود بالأساس إلى التوسع الكبير في إنشاء محطات توليد الكهرباء بين عامي 2014 و2022، عبر قروض خارجية وداخلية تقدَّر بنحو 32 مليار دولار، رفعت قدرات التوليد بشكل ضخم، لكن دون استغلال فعلي لأكثر من 50% من الطاقة المتاحة في أوقات كثيرة من العام.
جزء مهم من هذا التوسع تمثّل في المشروعات العملاقة التي نُفذت بالتعاون مع شركة سيمنس الألمانية، بثلاث محطات ضخمة في بني سويف والعاصمة الإدارية والبرلس، وصلت تكلفتها إلى ما لا يقل عن 6 مليارات يورو، ورفعت القدرة الإنتاجية بأكثر من 14 ألف ميجاوات دفعة واحدة.
ورغم أن هذه المشروعات قُدِّمت إعلاميًا باعتبارها «إنجازًا تاريخيًا» يُنهي عجز الكهرباء، فإنها تحوّلت مع الوقت إلى عبء مالي ضخم؛ فالحكومة ملتزمة بسداد أقساط الديون وفوائدها، إلى جانب عقود التشغيل والصيانة مع الشركات الأجنبية، في حين أن الطلب الفعلي على الطاقة لا يستهلك كامل القدرات المتاحة، ما يعني أن المواطنين يدفعون اليوم ثمن توسعات لم تُخضع لحسابات جدوى شفافة، ولا لسياسة طاقة متدرجة تراعي قدرة الاقتصاد والمجتمع على تحمّل التكلفة.
إلى جانب ذلك، تراكمت ديون ضخمة على الجهات والهيئات الحكومية لصالح قطاعي الكهرباء والبترول، حتى تجاوزت – وفق التقديرات الرسمية – نحو 800 مليار جنيه بنهاية 2025، نتيجة امتناع كثير من الجهات عن السداد أو ترحيل المستحقات عامًا بعد عام، وهو ما خلق فجوة سيولة حادة لدى الوزارتين، وفتح الباب أمام ضغوط لتمويل هذا العجز من جيب المواطن عبر زيادات جديدة في الأسعار.
ضغوط صندوق النقد: نحو إنهاء دعم الطاقة قبل يونيو 2027
منذ توقيع اتفاقات الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، أصبح ملف دعم الطاقة – كهرباء ووقودًا – أحد الأعمدة الرئيسية في التفاوض، حيث يطالب الصندوق بوصول الأسعار إلى مستوى «يعكس التكلفة الحقيقية»، وتقليص أي دعم مباشر من الموازنة العامة خلال أفق زمني محدّد. تقارير الصندوق لعام 2025 تشير بوضوح إلى أن الإصلاحات في أسعار الوقود والكهرباء جزء أساسي من خطة ضبط العجز المالي وتقليل الضمانات الحكومية لقطاع الطاقة.
مصادر اقتصادية نقلت عن مسؤولين في وزارة المالية أن الحكومة تعهّدت عمليًا برفع أسعار الكهرباء والمحروقات إلى مستوى قريب من السعر الاقتصادي الكامل مع نهاية العام المالي 2026/2027، مع إبقاء دعم جزئي محدود لبعض الشرائح والمنتجات مثل السولار وغاز البوتاجاز المنزلي.
في الوقت نفسه، تشير تقديرات حكومية إلى أن تكلفة إنتاج الكيلووات/ساعة من الكهرباء تقترب من 2.5 جنيه، بينما يبلغ متوسط سعر البيع للمستهلكين نحو 2.25 جنيه للكيلووات؛ أي أن هناك فجوة تسعى الحكومة إلى إغلاقها عبر مزيج من تقليل الدعم، وإعادة هيكلة الشرائح، وتطبيق زيادات متدرجة على مدى عامي 2026 و2027، خاصة بعد انتهاء قرار تجميد تعرفة الكهرباء للمنازل حتى يناير 2026 الذي أُعلن في خريف 2025 في محاولة لتهدئة الغضب الشعبي.
بهذا المعنى، فإن النقاش الدائر حاليًا حول رفع الأسعار خلال الربع الأول من 2026 لا يبدو مجرد قرار فني مرتبط بتكلفة الإنتاج، بل خطوة ضمن مسار مُلزم سياسيًا واقتصاديًا للحكومة، في إطار التزاماتها مع الصندوق وشركاء التمويل الدوليين.
وقود أغلى وكهرباء أعلى.. من يدفع ثمن «إنقاذ» المالية العامة؟
على صعيد الوقود، كانت مصر قد رفعت أسعار البنزين والسولار في 17 أكتوبر 2025 للمرة الثانية خلال العام نفسه، بنسبة تراوحت بين 10.5% و12.7%، ليصل سعر بنزين 95 إلى 21 جنيهًا للتر، وبنزين 92 إلى 19.25 جنيهًا، وبنزين 80 إلى 17.75 جنيهًا، بينما صعد سعر السولار إلى 17.5 جنيهًا للتر، مع وعد حكومي بتثبيت الأسعار لمدة عام على الأقل.
هذه الزيادة انعكست سريعًا على معدلات التضخم، حيث سجّل التضخم السنوي في المدن 12.5% في أكتوبر 2025، بعد فترة من التراجع، وكان من بين العوامل الرئيسية لارتفاعه القفزة في أسعار الوقود وما ترتب عليها من زيادة في تكاليف النقل والسلع الغذائية.
اليوم، ومع بحث الحكومة لزيادة جديدة في أسعار الوقود مع بداية العام المالي في يوليو 2026، يصبح السؤال المحوري: كيف ستتحمل الفئات الفقيرة والمتوسطة جولة جديدة من الغلاء، في ظل أجور لا تواكب ارتفاع الأسعار، وبيئة ضريبية ورسوم وخدمات تلتهم ما تبقّى من دخول الأسر؟
الملف لا يقف عند حدود أرقام تقنية حول «تكلفة الكيلووات» أو «سعر لتر السولار»، بل يمتد إلى طبيعة النموذج الاقتصادي الذي تبنّته الدولة خلال العقد الأخير: توسّع هائل في المشروعات كثيفة رأس المال – من محطات كهرباء عملاقة إلى عاصمة إدارية جديدة – بأعباء ديون ضخمة، ثم تحميل المواطنين لاحقًا كلفة خدمة هذه الديون عبر تخفيض الدعم وتعظيم الإيرادات من جيوبهم.
في ظل هذه المعادلة، تبدو زيادات أسعار الكهرباء المنتظرة في الربع الأول من 2026، والزيادات المرجّحة في أسعار الوقود مع يوليو، جزءًا من مسار واحد: محاولة إنقاذ المالية العامة عبر تضييق الخناق على مستويات معيشة غالبية المصريين، بدلًا من فتح نقاش جاد حول أولويات الإنفاق، وشفافية الديون، ومسؤولية التوسع غير المحسوب في مشروعات لم تجلب عائدًا يتناسب مع كلفتها.
يبقى أن المصريين لا يدفعون فقط ثمن الكهرباء والوقود، بل ثمن نموذج كامل أدار ملف الطاقة بمنطق «الإنجاز السريع» و«المشروع الضخم»، دون أن يضع في حسبانه أن كل كيلووات زيادة في القدرة، وكل متر مكعب من الوقود المدعوم، سينتهي في النهاية على فاتورة مواطن بسيط، يطفئ الأنوار مبكرًا، ويقلّص استهلاكه قدر الإمكان، لكنه يجد نفسه محاصرًا بزيادات لا تتوقف، وبتبرير واحد يتكرر: «لا بديل عن رفع الأسعار».

