أكّدت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي أن أوضاع حقوق الإنسان في مصر واصلت الهبوط إلى مستويات أشد قتامة خلال عام 2025، في ظل ما وصفته بسيطرة شبه كاملة للحكومة على المجال العام، وتحويل أي معارضة سلمية إلى ملف أمني، وتوسّع الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، وتقييد الحريات السياسية والمدنية على نحو ممنهج لا يبدو عارضًا أو ظرفيًا.

 

التقرير، الذي يستند إلى شهادات ضحايا وذويهم ومحامين ومنظمات حقوقية مصرية ودولية، يرسم صورة لنظام لا يكتفي بتقييد الهامش السياسي والإعلامي، بل يعيد هندسة المجال العام كله بحيث لا يبقى فيه سوى صوت واحد، مع محاولات تجميل شكلية عبر انتخابات بلا منافسة حقيقية، ولجان حقوق إنسان رسمية لا تغيّر شيئًا من الواقع.

 

قمع شامل وإغلاق منهجي للمجال العام

 

تحت عنوان قمع الحريات وإغلاق المجال العام، يشير التقرير إلى أن السلطة المصرية استمرت في استخدام أدوات قانونية وأمنية لإسكات كل صوت ينتقد أداء الحكومة أو يطالب بإصلاح سياسي سلمي.

 

قوانين مكافحة الإرهاب، وقانون الكيانات الإرهابية، وقانون الجمعيات، وقانون الجرائم الإلكترونية، تحوّلت – بحسب المنظمة – إلى شبكة تشريعية خانقة تُستخدم لملاحقة المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين وصنّاع المحتوى.

 

المنظمات المستقلة، حتى تلك التي حاولت الالتزام بقانون الجمعيات الصادر عام 2019 والتكيّف مع شروطه الصارمة، ظلت تحت ضغط دائم: استدعاءات أمنية، تجميد حسابات، تحقيقات مطولة، وتلويح مستمر بخطر الإغلاق أو الملاحقة.

 

وبهذا، لم يعد المجال المدني “مقيدًا” فحسب، بل شبه مشلول، حيث باتت كثير من المنظمات تعمل في حالة خوف دائم، أو من الخارج، أو توقفت عن العمل كليًا.

 

على مستوى الصحافة والإعلام، يُذكِّر التقرير بأن مصر ما زالت ضمن أسوأ عشر دول في العالم من حيث عدد الصحفيين المحتجزين. ملاحقات تطال صحفيين يعملون في صحف معترف بها رسميًا، وآخرين مستقلين أو عاملين في منصات رقمية، بتهم نمطية مثل نشر أخبار كاذبة، والانضمام إلى جماعة محظورة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. النتيجة المباشرة هي مناخ رعب ذاتي؛ حيث يمارس الصحفي رقابة على نفسه قبل أن يجريها عليه جهاز أمني أو جهة تنظيمية.

 

السجون: موت بطيء خلف الجدران وسوء معاملة ممنهجة

 

في ملف السجون وأماكن الاحتجاز، يرسم التقرير صورة صادمة لأوضاع آلاف المحتجزين، من سياسيين ومتهمين في قضايا رأي وغيرهم، في سجون تقارب سياساتها “العقاب الجماعي” أكثر منها تنفيذًا لعقوبات قضائية.

 

تتحدث المنظمة عن احتجاز تعسفي واسع النطاق، وحبس احتياطي ممتد لسنوات، مع استخدام الحبس الانفرادي المطوّل، والحرمان من الزيارة، ومنع التريّض، والتضييق على إدخال الأدوية والمتعلقات الشخصية.

 

وتصف هذه الممارسات بأنها ترقى إلى سوء المعاملة، وفي بعض الحالات إلى التعذيب، خصوصًا عندما تقترن بالضرب، والإهانات، والتهديدات، والضغط على الأسر.

 

بحسب ما نقله التقرير عن منظمات حقوقية، توفي 44 معتقلًا داخل أماكن الاحتجاز حتى سبتمبر 2025، نتيجة الإهمال الطبي وسوء الظروف المعيشية وغياب الرعاية الصحية الملائمة.

 

كما أُبلغ عن محاولات انتحار بين محتجزين في سجن بدر 3، وهو أحد السجون الأحدث والأكثر تشديدًا، نتيجة التدهور الحاد في الظروف الإنسانية والعزل المستمر.

 

التقرير يبرز حالات فردية تعكس الطابع البنيوي للأزمة: الطبيب والأكاديمي صلاح سلطان، الذي يواجه خطرًا صحيًا جسيمًا بسبب حرمانه من العلاج الملائم رغم تدهور حالته، والمحامية والحقوقية هدى عبد المنعم التي استمر احتجازها رغم إنهاء عقوبتها، في انتهاك صارخ لمبدأ سيادة القانون، وسط تحذيرات متزايدة من تدهور حالتها الصحية. هذه الملفات، بحسب المنظمة، ليست استثناءات، بل نماذج لما يتعرض له كثير من السجناء السياسيين وغيرهم.

 

ويمتد التقرير إلى اتهام قوات الأمن، وعلى رأسها قطاع الأمن الوطني، بممارسة الإخفاء القسري بحق محتجزين قيد التحقيق، وحرمان عائلاتهم ومحاميهم من معرفة مصيرهم أو أماكن احتجازهم لفترات طويلة، مع تقارير متكررة عن تعرّض هؤلاء للتعذيب وانتزاع الاعترافات تحت الإكراه.

 

كما يرصد وقائع إعدامات خارج إطار القانون، من بينها مقتل رجلين في مرسى مطروح بعد ساعات من اعتقالهما، رغم وجود أدلة على أنهما كانا رهن الاحتجاز لدى الشرطة وقت وفاتهما.

 

انتخابات بلا منافسة وأزمة حقوقية ممنهجة لا “تجاوزات فردية”

 

على المستوى السياسي، ينتقد التقرير الانتخابات البرلمانية التي جرت في أغسطس ونوفمبر 2025، معتبرًا أنها جرت في بيئة من القمع وغياب المنافسة الحقيقية.

 

كثير من القوائم والمرشحين المستقلين أو المحسوبين على معارضة معتدلة تم إقصاؤهم عبر إجراءات إدارية وأمنية، أو عبر ضغوط غير مباشرة، لتُحسم النتائج فعليًا لصالح قوائم موالية للسلطة قبل فتح صناديق الاقتراع.

 

في مثل هذا المناخ، يرى التقرير أن الحديث عن “استحقاق ديمقراطي” يتحول إلى غطاء شكلي لنظام مغلق، لا يسمح بتداول حقيقي للسلطة أو حتى بتعبير آمن عن التذمر الاجتماعي والسياسي.

 

خلاصة هيومن رايتس ووتش حاسمة: الأزمة الحقوقية في مصر ليست مجرد سلسلة من التجاوزات الفردية أو الأخطاء الإدارية، بل سياسة ممنهجة تمتد من قمع الحريات العامة، إلى انتهاكات السجون وأجهزة الأمن، مرورًا بتقييد العمل المدني والإعلامي والتحكم في العملية الانتخابية.

 

المنظمة دعت السلطات المصرية إلى مسار مختلف جذريًا: وقف الانتهاكات فورًا، الإفراج عن المحتجزين تعسفيًا، إنهاء ممارسات الإخفاء القسري والتعذيب، وضمان استقلال القضاء واحترام الحريات الأساسية في التعبير والتنظيم والتجمع السلمي.

 

لكن الرسالة الضمنية للتقرير لا تقل وضوحًا: استمرار الوضع القائم لا يهدد فقط حقوق ملايين المصريين، بل يضعف أسس الاستقرار ذاته، ويجعل أي حديث رسمي عن “جمهورية جديدة” بلا محتوى حقيقي ما دام السجن والانتهاك هما اللغة السائدة في التعامل مع المجتمع.