أعاد مقترح برلماني جديد إحساس كثير من المصريين في الخارج بأنهم مجرد «خزنة دولارات» يتم البحث عن طرق مبتكرة لفتحها، لا شركاء حقيقيين في إنقاذ اقتصاد مأزوم.
فبعد قرار حكومة السيسي إلغاء الإعفاء الجمركي عن الهواتف المحمولة للمغتربين وفرض رسوم وضريبة تقترب من 40%، خرجت النائبة آمال عبد الحميد باقتراح إعفاء المصريين بالخارج من جمارك وضريبة الهواتف، بشرط أن يقدّم كل مغترب ما يثبت تحويل 5 آلاف دولار سنويًا عبر القنوات الرسمية.
النائبة قدّمت المقترح باعتباره «فكرة خارج الصندوق» لدعم الاحتياطي من العملة الصعبة وقطع الطريق على السوق السوداء، مشيرة إلى أن عدد المصريين في الخارج يقترب من 14 مليون شخص، وأن تنفيذ الفكرة يمكن أن يوفّر عشرات المليارات من الدولارات سنويًا.
لكن رد الفعل الشعبي على السوشيال ميديا كان عاصفًا؛ إذ رأى كثيرون أن المقترح ينطلق من نظرة فوقية للمغترب، ويتجاهل حقيقة أوضاعهم الاقتصادية، بل ويحوّل امتيازًا بسيطًا (إدخال هاتف معفى) إلى «رشوة مقنّنة» مقابل تحويلات إجبارية.
تفاصيل المبادرة: إعفاء مشروط وتحويلات إجبارية بالدولار
طبقًا لتصريحات النائبة آمال عبد الحميد، يقوم المقترح على إعفاء المصريين المقيمين بالخارج وأفراد أسرهم من ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية على الهواتف المحمولة الشخصية، بشرط تقديم مستند رسمي يثبت تحويل مبلغ لا يقل عن 5 آلاف دولار خلال عام عبر البنوك المصرية.
المغترب – بحسب الطرح البرلماني – يحصل في المقابل على حق إدخال جهاز أو جهازين «من الدرجة الأولى» له ولأسرته، مع التشديد على أن يكون الاستخدام شخصيًا لا تجاريًا. وتبرر النائبة فكرتها بأنها محاولة لتحفيز التحويلات الرسمية بدل لجوء البعض إلى مكاتب وساطة وسماسرة يستحوذون على العملة الصعبة خارج الجهاز المصرفي.
لكن النقاد يرون أن هذا المنطق يتجاهل أمرين أساسيين:
- أن تحويل 5 آلاف دولار سنويًا ليس رقمًا بسيطًا لغالبية العاملين في الخارج، خصوصًا في دول الخليج حيث يتقاضى كثيرون رواتب متواضعة بالكاد تغطي الإيجارات والأقساط.
- أن ربط الإعفاء الجمركي بتحويل بهذا الحجم يحوّل الإعفاء من «حق بسيط» إلى «ثمن» يدفعه المغترب مجبرًا، في وقت تبحث فيه الحكومة عن أي دولار إضافي لسد فجوة عملة متفاقمة.
إعلاميون يهاجمون المقترح: «ما تعلّقوهم من رجلهم في المطار!»
على مستوى الإعلام، لم يمر المقترح بهدوء. الإعلامي المصري السعودي عمرو أديب سخر من الفكرة قائلًا إن هناك اقتراحًا بإعفاء جمركي للهواتف مقابل تحويل 5 آلاف دولار، ثم علق بغضب: «طيب ما تعلّقوهم من رجلهم في المطار!!»، في إشارة إلى حجم الابتزاز الذي يشعر به المغتربون:
عمرو أديب:
— Sherine Mohamed (@sherine412) February 1, 2026
فيه اقتراح غريب بإعفاء جمركي للهواتف مقابل تحويل 5 آلاف دولار.. طيب ما تعلقوهم من رجلهم في المطار!! pic.twitter.com/uqywlny9fS
الإعلامي محمد علي خير انضم إلى موجة الانتقادات، محذرًا من النظر إلى المصري بالخارج باعتباره «الفرخة اللي بتجيب بيضة» يمكن حلبها في كل اتجاه، ومشددًا على أن هذا النوع من المقترحات يرسخ شعور الاغتراب والظلم بدل أن يشجع على تحويل الأموال رسميًا:
بلاش الحكومة والبرلمان ينظروا للمغترب إنه الفرخة اللي بتجيب بيضة ونحلبه في كل حتة.. الإعلامي #محمد_على_خير ينتقد مقترح النائبة آمال عبد الحميد "إعفاء المصريين بالخارج من جمارك الهواتف مقابل 5 آلاف #دولار"#مزيد pic.twitter.com/YmU4J3JpxN
— مزيد - Mazid (@MazidNews) February 1, 2026
هذه المداخلات الإعلامية عكست تحوّل الملف من نقاش اقتصادي تقني إلى قضية كرامة؛ إذ يرى الكثيرون أن الدولة تتعامل مع ملايين المغتربين بمنطق الجباية لا الشراكة، وتحمّلهم وحدهم كلفة أزمة دولار صنعتها سياسات رسمية خاطئة.
أصوات المغتربين: غضب وسخرية وواقع قاسٍ خلف الشاشات
على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر المصريون في الخارج عن غضبهم بلغة مباشرة وحكايات شخصية تكشف المسافة بين مخيلة صانع القرار وواقع المغترب.
أحدهم، مصطفى، كتب أنه ينزل إلى مصر 20 يومًا في السنة مع أولاده، ولن يحضر معه أي هواتف بعد الآن ولن يحوّل دولارًا واحدًا إلى البلد، حتى لو كان محتاجًا لمصلحة، مضيفًا: «كفاية بقى مصّيتوا دمنا»:
لا متقلقيش
— mostafa (@mostafa1294989) February 1, 2026
انا بنزل 20يوم ف السنه انا وولادي
مش هنجيب معانا تليفونات
ومش هحول دولار واحد مصر،حتي لو عايز مصلحه مش هحول
هصرف م مصر 😂😂😂
كفايه بقي مصيتو دمنا
مغترب آخر، أحمد، علّق بأن هناك من «يتطحن سنة كاملة» ولا يستطيع أن يدّخر أكثر من 3 آلاف دولار في العام، متسائلًا: «اللي قال الاقتراح ده عايش إزاي؟» في إشارة إلى انفصال المقترح عن واقع دخول غالبية العاملين بالخارج:
ده في ناس بتتطحن سنه كامله و مش بيعرف يحوش غير ٣ الاف دولار في السنه اللي قال الاقتراح ده عايش زي …..
— Ahmed omar (@Ahmedom28674603) February 1, 2026
حساب آخر أشار إلى أن المسؤولين يتصورون أن كل مغترب يحمل «آيفون»، بينما الواقع – بحسب تغريدته – أن 60% من المغتربين أقصى ما لديهم هاتف لا يتجاوز 600 ريال، و30% منهم يحمل هاتفًا بالتقسيط ليقضي به إجازته، وفقط 10% هم من يمتلكون هواتف فاخرة فعلًا:
المشكلة ان الناس دي فاكره أن كل مغترب نازل بايفون مش عارفين أن60٪100من المغتربين آخرهم تلفون ما يتعدي 600ريال و30٪١٠٠ نازل بتلفون قسط علشان يعرف يقضي الإجازة بتمنه و١٠٪١٠٠فعلنا هما إلا معاهم آيفون حقهم
— ابو عدي (@abwdyalmre55934) February 1, 2026
إسلام عبّر عن غضب أكثر حدة، معتبرًا أن مثل هذه السياسات ستدفع الكثيرين إلى «النزول والجلوس في البلد للأبد»، وأن الحكومة لن تجد لا دولارًا ولا «زورًا» ينفعها، خاتمًا تغريدته بعبارة «حسبنا الله ونعم الوكيل»:
حسبنا الله ونعم الوكيل
— eslam salah (@eslam7810) February 1, 2026
قريبآ رايحين ننزل ونقعد فيها للأبد
لا حتلاقوا دولار ولا زورا ينفعكم
فيصل ركّز على زاوية أخرى، هي الشعور بالظلم الطبقي؛ إذ يرى أن من يضعون مثل هذه المقترحات – في الحكومة أو وزارة المالية أو الجمارك – دخولهم الشهرية أفضل من ملايين المغتربين الذين يعيشون على «الكفاف»، ورغم ذلك يُعامَل هؤلاء كأنهم أعداء أو أبقار حلوب لا بشر يكدّون لإعالة أسرهم ومساعدة أقاربهم:
حقد وكره مالي القلوب مع ان معظم اللي بيتكلم سواء كان بالحكومة أو موظفين وزارة المالية بنوع الجمارك دخلهم الشهري افضل من ملايين المغتربين المطحونين في الغربه علشان يكفي اسرته وأهله ويمكن بيساعد ناس كتير من اقاربه و هوا عايش ع الكفاف وربنا وحده العالم بيه
— 👑faisal (@sass100001) February 1, 2026
والله عيب
أما روني فلفت الانتباه إلى البعد الاجتماعي للغربة، موضحًا أن كثيرين «غرقانين في كريدت وإيجارات» في الدول العربية، لا يستطيعون السداد ولا حتى الحركة بحرية بسبب الديون، ثم تأتي الحكومة لتعاملهم كأنهم مرفّهون يبحثون عن هواتف فاخرة:
حاجة سخيفة غير طبيعية
— Rony Magdy (@RonyMagdy15) February 1, 2026
سبوهم في حالهم
في ناس متعمم عليها في كرديت وايجارات في الدول العربية ومش عارفة تسدد
ولا عارفة تتحرك من مكانها
هذه الأصوات المتفرقة ترسم صورة متماسكة: المغترب المصري يشعر اليوم بأنه مستهدف بسياسات ضريبية وجمركية متلاحقة، من إلغاء إعفاء هاتفه الشخصي إلى ربط أي تسهيل بتحويلات بالدولار تفوق قدرته.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن «امتيازات» و«حوافز»، وحياة يومية مليئة بالكدح والديون، تتعمق فجوة الثقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج، الذين يُفترض أنهم «السند الحقيقي» لأي خطة إنقاذ اقتصادي، لا خصومًا يجب حصارهم بالمزيد من الرسوم والشروط.

