مع مرور 15 عامًا على ثورة 25 يناير 2011، تحاول السلطة التي قامت الثورة ضدها إقناع المصريين بأن هذه الثورة ماتت وشبعت موتًا، وأن الزمن قد تجاوزها، وأن ما جرى لم يكن سوى "هوجة" عابرة.
تنشط ماكينات الإعلام والأمن في ضخ رسائل اليأس والإحباط، والتشكيك في جدوى أي تغيير، والترويج لفكرة أن ما حدث لن يتكرر أبدًا.
لكن قراءة هادئة لما جرى ويجري تؤكد أن ثورة يناير لم تكن نوبة غضب عشوائية، بل تعبير عن حقوق راسخة في الحرية والكرامة والعدالة، وأن الظروف التي فجّرتها لم تختفِ، بل تفاقمت بصورة أشد قسوة تحت حكم عبد الفتاح السيسي.
الثورة كحتمية اجتماعية لا كهوجة عابرة
الثورة الحقيقية لا تنفجر بكبسة زر ولا بقرار من حزب أو زعيم، بل هي نتيجة تراكم طويل للمظالم، وارتفاع في وعي الناس بحقوقهم وكرامتهم، وإدراكهم أن من يتمتعون بالحرية والرخاء في العالم ليسوا أفضل منهم في شيء، بل "أبناء تسعة" مثلهم.
حين يشعر الناس أن الحد الأدنى من العيش الكريم متوفر، قد يرضخون لبعض الوقت لاستبداد سياسي، مفضلين "الخبز" على الحرية. لكن حين يُسلب الخبز وتُسحق الكرامة معًا، يصبح الانفجار مسألة وقت لا أكثر.
هذا ما حدث قبل ثورة 25 يناير، حين اجتمعت الأزمات المعيشية مع فساد مستشرٍ وقمع متصاعد، فانفجرت طاقة الغضب الكامنة لتحمل المصريين إلى الشارع.
واليوم تبدو الصورة أكثر قتامة: مستويات غير مسبوقة من الفقر والتضخم، وضغوط معيشية خانقة، وقهر سياسي شامل، ومصادرة ممنهجة لأي مساحة للتنفيس أو الاعتراض.
وفق سنن الله في خلقه، لا يستطيع حاكم، مهما بلغت سطوته، أن يعلّق هذه السنن إلى الأبد؛ قد يؤجل نتائجها بالقمع والتخويف لبعض الوقت، لكنه لا يملك أن يلغي قانون "الضغط يولد الانفجار".
من هنا يصبح الحديث عن موت ثورة يناير نوعًا من الوهم المتعمد.
قد تُشوّه صورتها في الإعلام، قد يتاجر البعض بأخطائها، قد تُحمَّل بكل فشل، لكن الحقيقة الأعمق أن جذورها مختبئة في وعي ملايين المصريين الذين ذاقوا طعم الحرية لبعض الوقت، ثم استعادهم الاستبداد أكثر شراسة، فصاروا أكثر فهمًا لمعنى الحق، وأكثر دراية بثمن التغيير، وإن كانوا اليوم أكثر حذرًا في دفع هذا الثمن.
كيف يحارب السيسي يناير بالقول ويستدعيها بالفعل؟
المفارقة أن قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي نفسه ربما يدرك خطورة 25 يناير أكثر من كثير من أبنائها.
في السنوات الأولى بعد الانقلاب، قبل النظام أن يتحدث دستور 2014 عن "عظمة ثورة 25 يناير"، وحرص السيسي في خطبه الأولى على مدح الثورة وشبابها، في محاولة لامتصاص الغضب واحتواء ذاكرتها.
لكن ما إن استقرت أركان الحكم العسكري حتى تحولت يناير في خطاب رأس النظام إلى "مؤامرة"، و"خطأ"، و"سبب خراب"، وتكرر على لسانه أن ما حدث في 2011 "لن يتكرر".
هذا التحول لم يكن كلامًا عابرًا، بل كان ضوءًا أخضر لآلة إعلامية وسياسية ضخمة كي تفتح النار على الثورة، وتبخس تضحيات شهدائها، وتشوه رموزها، وتحمّلها مسؤولية كل أزمة اقتصادية أو سياسية.
لكن الأثر الأخطر من هذا التشويه ليس فقط ضرب صورة يناير في وعي الأجيال الجديدة، بل تغطية حقيقة أن النظام الحالي يكرر، بصورة مضاعفة، كل الأسباب التي فجّرت الثورة.
فالقمع اليوم أشد اتساعًا وغلظة مما كان قبل 2011، ومصادرة المجال العام بلغت حدّ ملاحقة من يرفع مجرد لافتة "صل على النبي"، أو من يشكو في فيديو من هدم بيته، أو من يكتب منشورًا بسيطًا ينتقد قرارًا أو مسؤولًا.
وفي المقابل، وصل الانهيار الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة، مع ديون خارجية وداخلية فلكية، وتآكل غير معهود في مستوى المعيشة، وتوسع في هدم المنازل ونزع الملكيات لصالح مشروعات واستثمارات لا تعود فوائدها على عموم الناس.
بهذا المعنى، فإن النظام الذي يلعن ثورة يناير في خطابه، ويطالب الناس بنسيانها، هو نفسه الذي يراكم وقود ثورة جديدة بسياساته اليومية.
وكلما ازداد ضيق الحياة على الناس، ومعه منسوب الإهانة والاحتقار لحقوقهم الأساسية، ازدادت احتمالات أن تنفجر موجة أخرى من الغضب حين تكتمل شروطها الموضوعية، بصرف النظر عن رغبة السلطة أو توقيتها.
بين استعادة روح يناير ومسؤولية قوى التغيير
الحديث عن ثورة يناير بعد 15 عامًا لا ينبغي أن يبقى حبيس النوستالجيا والهتافات القديمة.
القيمة الأهم لهذه الثورة أنها أثبتت للمصريين أن التغيير ممكن، وأن الحاكم مهما بدا قويًا ليس قدرًا أبديًا، وأن الشعوب قادرة على أن تفرض إرادتها ولو لفترة، وأن تسترد جزءًا من كرامتها ولو تعرضت بعد ذلك للانتكاس والقمع.
الثورة ليست الطريق الوحيد للتغيير، لكنها تظل "آخر العلاج" حين تُغلق كل الطرق السلمية الأخرى. الخيار الأكثر أمنًا وعدلًا للجميع، سلطة ومعارضة وشعبًا، أن تُفتح أبواب الإصلاح الحقيقي: احترام الدستور الذي أقسم المسؤولون على الالتزام به، إطلاق الحريات العامة، تمكين الناس من التعبير والتنظيم، ومحاسبة الفاسدين بدلًا من حمايتهم.
السيسي نفسه زعم مؤخرًا أن مصر كانت ستعبر أزمتها في 2013 لو وافق الرئيس الشهيد محمد مرسي وجماعته على انتخابات رئاسية مبكرة، متجاهلًا أن مرسي لم يرفض المبدأ بل طالب بانتخابات برلمانية أولًا لتجنب الفراغ الدستوري.
اليوم، إن كان رأس النظام جادًا في حديثه عن أن "مصر تتسع للجميع"، فالباب ما زال مفتوحًا أمامه لتفادي انفجار جديد عبر مسار واضح: انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة تنافسية بلا إقصاء، يسبقها الإفراج عن المعتقلين السياسيين، ورفع أسماء المعارضين من قوائم الإرهاب، وفتح المجال الإعلامي ليعبر عن المجتمع لا عن الأجهزة.
في المقابل، تقع على عاتق قوى التغيير المنظمة مسؤولية جسيمة؛ فالشعب الذي تعلّم من تجربة يناير لا يريد أن يقدم التضحيات نفسها في فراغ بلا أفق.
يحتاج الناس إلى بديل سياسي جاد، وبرنامج واضح لما بعد التغيير، وضمانات ألا تضيع تضحياتهم مرة أخرى.
وحين يلتقي نضج الوعي الشعبي مع رؤية سياسية ناضجة، وتستمر السلطة في عنادها واستبدادها، تصبح عودة روح يناير، في شكل ما وفي توقيت ما، ليست احتمالًا رومانسيًا، بل استحقاقًا تفرضه سنن الله وسنن التاريخ معًا.

