يواصل المشهد السياسي في العراق الدوران في حلقة مفرغة: برلمان منتخب في 11 نوفمبر 2025 بنسبة مشاركة تجاوزت 56 بالمئة، ورئيس مجلس نواب انتُخب في 29 ديسمبر، ومواعيد دستورية واضحة لانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، لكن النتيجة حتى الآن هي شيء واحد فقط: تأجيل جديد، هو الثالث في غضون أسابيع، لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، مع تشابك غير مسبوق بين الانقسام الكردي الداخلي، وصراع البيت الشيعي على رئاسة الحكومة، وضغط أمريكي علني ضد عودة نوري المالكي إلى منصب رئيس الوزراء، في ظل توتر إقليمي حاد بين الولايات المتحدة وإيران.

 

ورغم أن الدستور يُلزم مجلس النواب بانتخاب رئيس للجمهورية خلال شهر واحد من الجلسة الأولى، فإن هذا الأجل انقضى بنهاية يناير دون حسم، لتدخل البلاد عملياً في منطقة رمادية دستورياً وسياسياً، بينما تغيب التوافقات وتحضر الضغوط الخارجية والفيتوات المتبادلة.

 

تأجيل ثالث وانتخابات معلّقة بين انقسام كردي وبيوت شيعية متصارعة

 

مجلس النواب العراقي قرر، اليوم الأحد، تأجيل انعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، بعد أن كانت مقررة وفق جدول أعمال يتضمن انتخاب الرئيس وأداء اليمين الدستورية لعدد من النواب.

هذا التأجيل يأتي بعد تأجيلين سابقين خلال الأيام الماضية، أحدهما يوم الثلاثاء السابق، بذريعة منح "مزيد من الوقت للتفاهم والاتفاق" بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، كما أعلن رئيس المجلس هيبت الحلبوسي.

 

الدستور، كما فسّرته المحكمة الاتحادية بقرارها رقم 16 لسنة 2022، يشترط لانعقاد جلسة انتخاب الرئيس حضور ثلثي أعضاء المجلس، أي ما لا يقل عن 220 نائباً، على أن يُنتخب الرئيس في الجولة الأولى بأغلبية ثلثي الأعضاء عبر اقتراع سري مباشر، وإن تعذّر ذلك تُجرى جولة ثانية بين أعلى مرشحين أصواتاً، ويفوز من يحصد الأغلبية البسيطة.

هذه الشروط العالية السقف تُحوّل أي انقسام سياسي إلى قدرة فعلية على التعطيل، وهو ما يحدث الآن بالضبط.

 

من أصل 44 مرشحاً قدّموا أوراقهم، حصرت رئاسة المجلس العدد في 15 تنطبق عليهم الشروط الدستورية والقانونية، قبل أن تضيف المحكمة الاتحادية 4 آخرين بعد قبول طعون، ليصبح العدد النهائي 19 مرشحاً، بينهم 13 من المكوّن الكردي و6 من المكوّن العربي.

لكنّ العرف السياسي المستقر منذ 2005 يمنح منصب الرئيس للمكوّن الكردي، وتحديداً للحزبين الكبيرين في إقليم كردستان: "الديمقراطي" و"الاتحاد الوطني"، ما يجعل المعركة الحقيقية اليوم داخل البيت الكردي، لا بين 19 مرشحاً نظرياً.

 

الخلاف بين الحزبين يتجاوز الاسم فقط، إلى تصور أوسع لدور رئاسة الجمهورية في المرحلة المقبلة، في ظل صراع مبكر على شكل الحكومة القادمة وهوية رئيس الوزراء.

تمسك كل طرف بمرشحه يُدخل البرلمان – متى انعقدت الجلسة – في مواجهة مفتوحة، يصعب معها حسم المنصب من الجولة الأولى التي تحتاج إلى 220 صوتاً، ما يرجّح ذهاب التصويت إلى جولة ثانية، وربما إلى صفقات اللحظة الأخيرة في الأروقة المغلقة.

 

وفي الخلفية، تقف معادلة المحاصصة التقليدية التي تمنح الكرد منصب رئيس الجمهورية، والشيعة رئاسة الوزراء، والسنة رئاسة البرلمان، لكن هذه المعادلة التي صمدت شكلياً لأعوام تواجه اليوم اختبارات قاسية، مع تشظي القوى داخل كل مكوّن، ودخول العامل الإقليمي والدولي على خط اختيار الأشخاص، لا المناصب فقط.

 

فيتو أمريكي على المالكي وتلويح بوقف الدعم… العراق ساحة ضغط بين واشنطن وطهران

 

بالتوازي مع أزمة انتخاب الرئيس، انفجر محور أكثر حساسية في بغداد: ترشيح "الإطار التنسيقي" الشيعي لـنوري المالكي رئيساً للوزراء، ورد الفعل الأمريكي العلني الذي بدا أقرب إلى "فيتو" مباشر على عودته إلى السلطة.

 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كتب على منصته "تروث سوشيال" مساء الثلاثاء محذراً من أن العراق "على وشك ارتكاب خيار سيّئ جداً" بإعادة تنصيب المالكي، متهماً إياه بأنه في ولايتيه السابقتين دفع البلاد إلى "الفقر والفوضى الشاملة".

وذهب أبعد من ذلك حين لوّح بأن الولايات المتحدة "لن تساعد العراق بعد الآن" إذا عاد المالكي للحكم، مؤكداً أن بغداد "لن يكون لديها أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية" دون هذه المساعدة.

 

في المقابل، رد المالكي بمنشور على منصة "إكس" اعتبر فيه تصريحات ترامب "انتهاكاً لسيادة العراق" وتدخلاً سافراً في شؤونه الداخلية، مؤكداً أن لغة الحوار بين الدول هي المسار الوحيد المقبول، وأنه مستمر في العمل استناداً إلى "قرار الإطار التنسيقي الذي كفله الدستور"، حتى بلوغ النهاية التي "تحقق المصالح العليا للشعب العراقي".

 

التوتر الأمريكي – الإيراني يضفي على هذا السجال بعداً أوسع؛ واشنطن تخشى حكومة توصف بأنها "مفروضة من إيران" في بغداد، كما قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس باراك، الذي حذر من أن حكومة بهذه المواصفات لن تلبي تطلعات العراقيين ولا يمكنها إقامة شراكة فعّالة مع الولايات المتحدة.

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بدوره عبّر في اتصال هاتفي مع رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد شياع السوداني عن رفضه لتشكيل حكومة جديدة "تسيطر عليها إيران"، في إشارة واضحة إلى ترشيح المالكي.

 

بهذا المعنى، لا تبدو عملية انتخاب رئيس الجمهورية منفصلة عن معركة رئاسة الوزراء، فالرئيس الجديد سيكلَّف – خلال 15 يوماً من انتخابه – مرشح "الكتلة الأكبر" بتشكيل الحكومة.

بقاء ورقة المالكي مطروحة، في ظل رفض أمريكي صريح وتوجس إقليمي، يجعل منصب الرئيس القادم جزءاً من معادلة أكبر: من الذي يملك أن يتحمل كلفة الصدام مع واشنطن، ومن الذي يستطيع التوفيق بين شهوة السلطة لدى القوى الشيعية وضغوط الخارج؟

 

حظوظ الفائز وسط هذا التشظي: رئيس ضعيف لترضية الجميع أم صفقة ثقيلة في اللحظة الأخيرة؟

 

في ضوء هذا المشهد المعقّد، تتداخل حظوظ مرشحي رئاسة الجمهورية مع معركة تشكيل الحكومة.

الأحزاب الكردية تدرك أن اختيار الرئيس ليس قراراً كردياً خالصاً، بل جزء من تفاهمات أوسع مع "الإطار التنسيقي" الشيعي والقوى السنية، وربما مع عواصم إقليمية ودولية تتابع بدقة من سيوقّع المراسيم، ومن سيكلف رئيس الوزراء، ومن سيمسك بملفات حساسة مثل العلاقة مع واشنطن وطهران، وملف القوات الأجنبية، ومسار التطبيع في المنطقة.

 

الانقسام الكردي الحالي يمنح كل لاعب خارجي فرصة للتأثير في الكفة، ويفتح الباب أمام سيناريوهين رئيسيين: إما التوافق في اللحظة الأخيرة على شخصية "تسوية" تضمن للحزبين مكاسب في الملفات الداخلية (النفط، الموازنة، كركوك، الحدود داخل الإقليم)، أو الذهاب إلى تصويت تنافسي حاد داخل البرلمان، يخرج منه رئيس محسوب على طرف دون الآخر، ما يهدد بجر الخلاف من أربيل والسليمانية إلى بغداد.

 

في الوقت نفسه، يحاول "الإطار التنسيقي" أن يوازن بين تمسكه بترشيح المالكي، وبين إدراكه لكلفة تحدي الإرادة الأمريكية والعربية في لحظة إقليمية مشتعلة من الخليج إلى غزة.

أي اسم يُطرح لرئاسة الجمهورية سيُقرأ في العواصم المؤثرة على أنه مؤشر على اتجاه بغداد: هل تتجه أكثر نحو محور طهران، أم تحاول الحفاظ على قدر من التوازن مع واشنطن والعواصم العربية؟

 

حتى الآن، تبدو كل الاحتمالات مفتوحة: تأجيلات متكررة، ضغط أمريكي يقترب من "الفيتو"، انقسام كردي عميق، شلل في استكمال الاستحقاقات الدستورية، وتوتر إقليمي يجعل من كل قرار في بغداد جزءاً من لوحة أكبر بكثير.

في هذه اللحظة، يغدو السؤال الحقيقي ليس فقط: من سيكون رئيس العراق القادم؟ بل: هل يُراد لهذا الرئيس أن يكون فاعلاً يمسك بخيوط اللعبة، أم مجرد توقيع دستوري على صفقات تُحاك بعيداً عن عيون العراقيين تحت سقف محاصصة منهكة وولاءات متنازعة؟