تشهد ولاية جنوب كردفان موجة نزوح جديدة، بعدما أعلنت منظمة الهجرة الدولية، الخميس، فرار 285 شخصًا خلال يومين فقط من مدينة كادوقلي وبلدة الكويك، جراء تدهور الأوضاع الأمنية واستمرار العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحلفائها. هذه الأرقام، رغم أنها تبدو محدودة مقارنة بحجم النزوح الكلي في إقليم كردفان والسودان عمومًا، تعكس واقعًا ميدانيًا متقلبًا، وحدودًا هشّة بين الحياة والموت بالنسبة لمدنيين يجدون أنفسهم مضطرين لحمل ما تيسّر من متاع والهرب إلى المجهول.
ووفق بيان المنظمة، فإن 85 شخصًا نزحوا من كادوقلي، عاصمة الولاية، خلال يومي 27 و28 يناير ، بينما فرّ 200 آخرون من بلدة الكويك بمحافظة الريف الشرقي، متجهين إلى ولاية النيل الأبيض جنوبًا، وإلى محافظة كيلك في ولاية غرب كردفان، بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا. هذه الحركة الجديدة تأتي امتدادًا لمسار نزوح متصاعد من ولايات إقليم كردفان الثلاث، حيث قدّرت منظمة الهجرة الدولية عدد النازحين من الإقليم بأكثر من 88 ألف شخص خلال نحو شهرين فقط، في ظل تصاعد حدة المعارك واتساع رقعة الاشتباكات.
وفي الخلفية، يستمر النزاع المسلح في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، على خلفية خلافات حول دمج الأخيرة في المنظومة العسكرية، ليقود البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع مقتل عشرات الآلاف ونزوح ما يقارب 13 مليون شخص داخل وخارج السودان، وفق تقديرات أممية مختلفة.
تصاعد النزوح في إقليم كردفان وتفاقم المأساة الإنسانية
إعلان منظمة الهجرة الدولية الأخير بشأن نزوح 285 شخصًا من كادوقلي والكويك لا يمكن قراءته بمعزل عن الصورة الأوسع في إقليم كردفان، الذي يشمل ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان. فالإقليم بات في الأشهر الأخيرة إحدى أبرز ساحات المواجهة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مع انخراط حركات مسلحة أخرى في المعادلة الميدانية، ما أدى إلى موجات نزوح متكررة خلال فترة زمنية قصيرة.
وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 88 ألف نازح جرى تسجيلهم في ولايات كردفان الثلاث بين أواخر أكتوبر/تشرين الأول ومطلع العام الجاري، توزّعوا على عشرات المواقع في عدة ولايات سودانية، من بينها النيل الأبيض وغرب كردفان وولايات أخرى تستقبل الوافدين من مناطق القتال. هذا النزوح المتجدد من كادوقلي والكويك يؤكد أن التوتر الأمني في جنوب كردفان ما يزال بعيدًا عن التهدئة، وأن المدنيين يعيشون تحت تهديد دائم بإخلاء مساكنهم في أي لحظة.
اللافت في مسارات النزوح الجديدة هو اتجاه المدنيين جنوبًا إلى ولاية النيل الأبيض وغربًا إلى كيلك في غرب كردفان، بما يعكس بحث العائلات عن مناطق أقل تعرضًا للقصف المباشر والاشتباكات البرية، ولو على حساب الابتعاد لمسافات طويلة عن منازلهم وأراضيهم. في المقابل، تبقى قدرات الاستجابة الإنسانية محدودة للغاية، في ظل تقييد حركة المنظمات وقطع الطرق وتعطّل البنى التحتية، ما يهدد بتحوّل هذه الموجات المتفرقة من النزوح إلى أزمة معيشية حادة في مناطق الاستقبال، من حيث الغذاء والمأوى والخدمات الصحية والتعليمية.
وتحذّر منظمة الهجرة الدولية من أن الوضع في جنوب كردفان "ما زال متوترًا ومتقلبًا"، مؤكدة أنها تواصل متابعة التطورات عن قرب لتقييم الاحتياجات. لكن التحدي لا يقتصر على رصد الأرقام، بل يمتد إلى كيفية إيصال المساعدات، وتأمين ممرات إنسانية آمنة، وضمان عدم استهداف المدنيين ومخيماتهم في خضم العمليات العسكرية المتواصلة.
تطورات ميدانية في جنوب كردفان وجذور الصراع المستمر
على المستوى العسكري، أعلن الجيش السوداني، الاثنين، تمكنه من دخول مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، بعد حصار دام نحو عامين فرضته قوات الدعم السريع و"الحركة الشعبية" المتحالفة معها. هذا التطور يعكس تحوّلات في ميزان القوى الميداني في بعض مناطق الإقليم، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام مخاوف من انتقال المعارك إلى أحياء مكتظة بالسكان، ومن توسيع دائرة النزوح إلى مناطق جديدة في حال تصاعد القتال داخل المدن أو على أطرافها.
جنوب كردفان نفسها تحمل تاريخًا طويلًا من النزاعات المسلحة، إذ سبق أن شهدت مواجهات بين الجيش والحركة الشعبية-شمال قبل اندلاع الحرب الراهنة في 2023، ما جعلها أرضًا هشّة من ناحية الأمن والاقتصاد والخدمات. ومع اندلاع الصراع الحالي على مستوى البلاد، تحولت الولاية إلى ساحة مفتوحة لصراع متعدد الأطراف، يتداخل فيه البعد العسكري مع الحسابات السياسية والإثنية والاقتصادية.
جوهر الأزمة الراهنة يعود إلى الخلاف حول دمج قوات الدعم السريع في المؤسسة العسكرية، وهو الخلاف الذي انفجر في أبريل 2023، لكنه سرعان ما خرج من إطار "الصراع داخل الدولة" إلى حرب واسعة تمزق أوصال السودان، من العاصمة الخرطوم إلى دارفور وكردفان وسواها. ومع كل جولة تصعيد، يدفع المدنيون الثمن الأكبر، بين قتلى وجرحى ومفقودين، وملايين النازحين واللاجئين الذين يتركون وراءهم كل شيء تقريبًا.
في هذا السياق، تبدو أرقام النزوح من كادوقلي والكويك جزءًا صغيرًا من مشهد أكثر قتامة؛ فالسودان بات اليوم من أكبر بؤر النزوح في العالم، مع تضارب الإحصاءات بين نحو 12 إلى 15 مليون نازح ولاجئ في الداخل والخارج، في ظل غياب مسار سياسي جاد لوقف القتال، وتراجع اهتمام المجتمع الدولي تدريجيًا مع طول أمد الحرب وكثرة ملفات الأزمات عالميًا.
وبينما تُعلن المنظمات الأممية تحديثات متتالية لأرقام النزوح من ولايات كردفان ودارفور وغيرها، يظل السؤال الأهم بالنسبة للمدنيين العالقين في دائرة العنف: متى تتوقف هذه الحرب، ومتى يتحوّل الحديث عن الأرقام والتقارير إلى خطوات عملية تضمن لهم حقهم في الأمان والعودة الطوعية إلى ديارهم، بدل الاكتفاء بوصف معاناتهم من بعيد؟

