في لقطة نموذجية من لقطات «التطبيل السياسي»، خرج رجل الأعمال ووكيل مجلس النواب محمد أبو العنين ليؤكد أن مصطفى مدبولي هو «أفضل رئيس وزراء جاء لمصر منذ 70 سنة»، وأن «المواطن جوة عين الحكومة» وأن مدبولي «يسافر إلى أوروبا وأمريكا ويتحدث بلغتهم ولا يفتعل أزمات».
كلام منمّق يأتي في بلد تعصف به موجات الغلاء، وضرائب لا تنتهي، وديون خارجية تقترب من حدود الخطر، وبرنامج تقشّف جديد مع صندوق النقد هو الرابع خلال عقد واحد.
عضو مجلس النواب محمد أبو العنين: مدبولي أفضل رئيس وزراء جاء لمصر على مدار 70 سنة فاتوا، ومفيش حاجة ميعرفهاش وعنده كل المعلومات، وبيسافر إلى أوروبا وأمريكا بتكليف من السيسي ويتحدث بلغتهم ولا يفتعل أزمات، والمواطن جوة عين الحكومة وتبحث دومًا عن رضائه pic.twitter.com/eLTUZYabnd
— قنــــاة مكملين - الرسمية (@MekameleenMk) January 27, 2026
وخلال حصيلة سبع سنوات تقريبًا من حكومة لم تنجح إلا في تعميق الفقر وتضخيم الديون، بينما يواصل رجال الأعمال المقرّبون من السلطة توسيع نفوذهم السياسي والاقتصادي والإعلامي.
وعود مدبولي على الورق.. واقع من الفقر والديون
منذ توليه رئاسة الحكومة، تحدّث مصطفى مدبولي مرارًا عن "جني ثمار الإصلاح" وأن المواطنين سيشعرون بتحسن مستوى المعيشة، وأن الحكومة تعمل على خفض الفقر وتحسين الخدمات.
لكن الأرقام الرسمية تحكي قصة مغايرة تمامًا؛ فوفق تقارير رسمية أفريقية وأممية، قفز معدل الفقر الوطني من 16.7% نهاية التسعينيات إلى ما يقرب من ثلث السكان قبل الجائحة، ليظل حول 30% تقريبًا في 2019/2020، أي بعد سنوات من تطبيق حزمة «الإصلاح» التي يشرف عليها مدبولي.
وفي الملف الأخطر، ملف الديون، يعلن مدبولي أن حكومته تستهدف خفض الدين العام إلى أدنى مستوى منذ 50 عامًا، وأن «الأسوأ قد مرّ» على صعيد الدين الخارجي.
لكن الواقع أن الحكومة نفسها أقرت بمواصلة الاقتراض الكثيف، فالقاهرة تمضي في برنامج جديد مع صندوق النقد بقيمة 8 مليارات دولار، بعد سلسلة برامج متتالية منذ 2016، بينما تتوقع تقارير الصندوق ارتفاع الدين الخارجي إلى أكثر من 200 مليار دولار بحلول 2030 مع استمرار «مخاطر الضغوط السيادية المرتفعة».
ومع كل جولة من القروض، تتكرر الرواية نفسها: هذه المرة الأخيرة. في مايو 2025 صرّح مدبولي أن البرنامج الحالي مع صندوق النقد سيكون «آخر برنامج» وأن مصر لن تحتاج إلى قروض جديدة بعد 2026–2027، بينما يُظهر مسار التفاوض مع الصندوق، وتأجيل المراجعات الخامسة والسادسة بسبب تعثر تنفيذ الشروط، أن الحكومة ما زالت عالقة في الحلقة ذاتها من الاستدانة والوعود المؤجلة.
حكومة الضرائب ورفع الدعم.. أين «عين المواطن»؟
حين يقول أبو العنين إن «المواطن جوة عين الحكومة وتبحث دومًا عن رضائه»، تبدو الجملة منفصلة تمامًا عن الواقع اليومي للمصريين. ففي ظل حكومة مدبولي، شهدت مصر أكبر موجة توسّع ضريبي في تاريخها الحديث، سواء عبر تعميم ضريبة القيمة المضافة، أو زيادة الرسوم على السلع والخدمات، أو توسيع قاعدة المكلفين استجابةً لشروط صندوق النقد.
على الجانب الآخر، يتم تفكيك شبكة الحماية الاجتماعية تدريجيًا؛ فقد وثّقت تقارير حقوقية أن الدولة قلصت فعليًا نطاق استفادة الفئات الأشد فقرًا من برامج «تكافل وكرامة»، بالتوازي مع خفض الدعم على الطاقة وسلع أساسية. وفي 2024 جاء القرار الأشد وقعًا على الأغلبية الفقيرة، حين رفعت الحكومة سعر الرغيف المدعوم أربعة أضعاف دفعة واحدة لأول مرة منذ 1988، في بلد يعتمد أكثر من 70 مليون مواطن فيه على الخبز المدعوم.
في الوقت نفسه، تستمر زيادات متتالية في أسعار الوقود والكهرباء والنقل، تنفيذًا لالتزامات الاتفاق مع صندوق النقد، وآخرها رفع جديد لأسعار المحروقات في أكتوبر 2025، وهي زيادات تضرب الفقراء والطبقة الوسطى في العمق مهما حاولت الحكومة تغليفها بزيادات محدودة في الأجور أو شعارات «عدم تحميل المواطنين أعباء إضافية».
أين يقع كل هذا من صورة «أفضل رئيس وزراء في 70 سنة» التي يرسمها أبو العنين؟ وأين «رضا المواطن» في بلد تقف فيه غالبية الأسر على حافة خط الفقر أو أسفله، وتواجه يوميًا معركة البقاء في مواجهة الغلاء والضرائب ورفع الدعم وبيع أصول الدولة لسداد فوائد الديون؟
أبو العنين.. المستفيد الأكبر من «الجمهورية» التي يمدحها
لا يمكن قراءة دفاع محمد أبو العنين المستميت عن مدبولي والسيسي بعيدًا عن موقعه في خريطة المال والسلطة. فالرجل واحد من أبرز رجال الأعمال في مصر، ورئيس مجموعة «كليوباترا»، ومالك شبكة «صدى البلد» التلفزيونية، ما يمنحه نفوذًا اقتصاديًا وإعلاميًا كبيرًا في المشهد الحالي.
بعد ثورة يناير، واجه أبو العنين قضايا تتعلق بالفساد المالي، لكن لم تصدر بحقه إدانات نهائية، قبل أن يعود بقوة في عهد السيسي، ليستعيد مقعده البرلماني ثم يصبح وكيلًا لمجلس النواب ونائبًا لرئيس حزب «مستقبل وطن» الموالي للسلطة.
تقارير صحفية استقصائية أشارت كذلك إلى تمتعه بامتيازات ضخمة في تسوية أو تأجيل مديونيات بمليارات الجنيهات لجهات حكومية، وفي الحصول على أراضٍ وعقود استثمارية مربحة، ما جعله نموذجًا لرجل أعمال ينجح في تضخيم ثروته ونفوذه عبر أربعة أنظمة متتالية، وصولًا إلى الجمهورية الحالية.
في مثل هذا السياق، يصبح منطقياً أن يتحول أبو العنين إلى واحد من أعلى الأصوات دفاعًا عن السياسات الاقتصادية القائمة، فهي ببساطة السياسات التي حافظت على امتيازاته وفتحت أمامه أبواب البرلمان والإعلام، بينما تحمّل المواطن العادي كلفة الديون والضرائب ورفع الدعم.
تصريحات النائب ليست إذن مجرد رأي في «كفاءة» رئيس الوزراء، بل جزء من خطاب كامل يهدف إلى تجميل حصيلة يراها المواطنون في شكل غلاء وفقر وتآكل للطبقة الوسطى.
وفي المقابل، فإن «النجاح» الحقيقي الوحيد الذي يمكن نسبه لحكومة مدبولي هو نجاحها في إنتاج شبكة من رجال الأعمال والسياسيين الموالين، يجيدون هزّ الرأس في حضرة الرئيس، ويغرقون الشاشات في مديح لا يغيّر شيئًا من واقع الناس، لكنه يضمن استمرار المنظومة كما هي: ديون تتراكم، وضرائب تتمدّد، وثروة تتركّز في أيدي القلّة التي تهتف بأن كل شيء على ما يرام.

