تحل اليوم 28 يناير الذكرى الخامسة عشرة لواحد من أكثر الأيام تأثيرًا في التاريخ السياسي المصري المعاصر؛ اليوم الذي عُرف لاحقًا باسم «جمعة الغضب». في ذلك اليوم من عام 2011، تحوّلت احتجاجات محدودة المطالب بدأت في 25 يناير إلى انتفاضة شعبية واسعة أسقطت هيبة جهاز الشرطة ودفعت رأس النظام آنذاك، حسني مبارك، إلى الرحيل بعد 18 يومًا.

 

بعد مرور عقد ونصف، تبدو الصورة معقدة: ثورة كبرى حققت اختراقًا تاريخيًا، ثم ثورة مضادة أعادت كثيرًا من رموز النظام القديم إلى الواجهة، وخطاب رسمي يحاول إعادة تعريف الحدث، ما بين تجريم 25 يناير وتمجيد 30 يونيو، وسط جيل جديد تشكّل وعيه على وقع تلك الأحداث ولا يزال يرى في يناير لحظة تأسيسية رغم الهزيمة السياسية اللاحقة.

 

من احتجاجات إصلاحية إلى لحظة انفجار ثوري

 

بين 25 و27 يناير 2011، كانت الاحتجاجات في الشارع المصري ترفع بالأساس شعارات إصلاحية: إقالة وزير الداخلية، حلّ البرلمان، ومحاربة الفساد. كان كثيرون يرون أن استجابة محدودة من النظام لتلك المطالب قد تنهي موجة الغضب في إطار «تصحيح المسار» من داخل النظام نفسه.

 

إلا أن تشديد القبضة الأمنية، وسقوط قتلى ومصابين، واستخدام العنف في مواجهة المتظاهرين، أدى إلى تصعيد غير مسبوق يوم 28 يناير. مع انهيار خطوط الشرطة في عدد من المحافظات، وحرق مقار الحزب الوطني، وتوسع الحشود في ميدان التحرير وغيره من الميادين، تحوّل اليوم إلى نقطة اللاعودة في علاقة قطاعات واسعة من المجتمع بالنظام القائم.

 

كثير من المشاركين آنذاك يعتبرون أن جمعة الغضب كانت اليوم الذي تحولت فيه الحركة من احتجاج محدود إلى ثورة شعبية شاملة، وأن اختيار 25 يناير تاريخًا رسميًا لذكرى الثورة يغفل خصوصية هذا اليوم، الذي شهد سقوط آلاف الجرحى وسقوط مئات الشهداء في مواجهات مباشرة، خصوصًا في مناطق وسط القاهرة.

 

عودة رجال مبارك وتشويه الرمزية السياسية ليناير

 

بعد مسار طويل من التحولات السياسية بين 2011 و2013، انتهت المرحلة الانتقالية بتثبيت وضع سياسي جديد أعاد إلى الساحة كثيرًا من رموز النظام السابق، سواء في مواقع ثقافية أو إعلامية أو استشارية.

 

عاد وزراء ومسؤولون سابقون إلى المشهد العام، بعضهم إلى مواقع إدارة مؤسسات ثقافية كبرى، وآخرون إلى شاشات التلفزيون وصفحات الصحف، يُقدَّمون مرة أخرى بوصفهم «مفكرين» أو «خبراء» أو «رموز خبرة الدولة». بالتوازي، حصل عدد منهم على جوائز رفيعة، من بينها جوائز الدولة التقديرية وجائزة النيل (التي كانت تُعرف سابقًا بجائزة مبارك)، ما منح عودتهم طابعًا رمزيًا إضافيًا.

 

في الوقت نفسه، تغيّر الخطاب الرسمي والإعلامي تجاه يناير بشكل واضح.

 

•  في السنوات الأولى، وُصفت ثورة 25 يناير في بيانات رسمية ودستورية بأنها ثورة عظيمة فريدة في تاريخ الإنسانية، وتكررت الإشادة بـ«شهداء يناير» والتأكيد على احترام تضحياتهم.

 

•  لاحقًا، بدأت موجة واسعة من الكتابات والبرامج التلفزيونية تربط بين يناير والفوضى، وتتهمها بفتح الباب أمام الانهيار الأمني والاقتصادي، وتصفها أحيانًا بـ«المؤامرة».

 

في المقابل، يجري التعامل مع 30 يونيو بوصفه اليوم الذي «صحح المسار» و«أنقذ الدولة»، بينما تبدو أي محاولة لنقد هذا التاريخ أو مناقشة تداعياته السياسية والاقتصادية أمرًا شديد الحساسية في المجال العام.

 

هذه الازدواجية في التعامل مع التاريخين تعكس – في نظر كثير من المتابعين – سعيًا إلى محو الرمزية الثورية ليناير، مقابل تثبيت سردية بديلة تضع الحدث في خانة المؤامرة أو «الغلطة» التاريخية التي تم تداركها لاحقًا.

 

أسئلة مفتوحة عن دور الدولة ومستقبل روح الثورة

 

بعد مرور 15 عامًا، تظل الأسئلة الكبرى حول ما جرى في يناير 2011 وما بعده مفتوحة بلا إجابات حاسمة. من بين هذه الأسئلة:

 

•  إلى أي مدى كان انسحاب الشرطة في جمعة الغضب تعبيرًا عن انهيار حقيقي، وإلى أي حد كان جزءًا من حسابات أوسع داخل الدولة؟

 

•  هل استُخدم الزخم الشعبي في صراع أجنحة داخل النظام، ثم جرى احتواء المسار لصالح قوى بعينها؟

 

•  كيف أثرت السياسات اللاحقة – من محاكمات، وتشريعات، وتضييق على المجال العام – في إغلاق باب السياسة أمام أجيال شاركت في الثورة أو تأثرت بها؟

 

في المقابل، تبدو روح يناير حاضرة في وعي جيل جديد لم يكن في موقع القرار ولا في الصفوف الأولى آنذاك، لكنه كبر وهو يرى أن تغييرًا كبيرًا يمكن أن يحدث بالفعل، وأن شارعًا ممتلئًا قادر على فرض وقائع جديدة، ولو لفترة.

 

من كان في السابعة أو العاشرة من عمره عام 2011 أصبح اليوم شابًا أو خريج جامعة. هذا الجيل، الذي تشكّل وعيه على وقع مشاهد الميادين والشعارات والآمال المعلقة، يحمل تصورًا مختلفًا عن السياسة، وعن معنى الخوف والأمان، حتى وإن لم يظهر ذلك في صورة حراك منظم في اللحظة الحالية.

 

في ذكرى جمعة الغضب.. تبدو الصورة متناقضة

 

•  من ناحية، نظام سياسي يستند إلى سردية تعتبر يناير خطأً أو مؤامرة، ويعيد تمكين كثير من وجوه ما قبل الثورة.

 

•  ومن ناحية أخرى، ذاكرة جمعية ما زالت تحفظ ليناير مكانة «اليوم الذي سقط فيه الخوف»، وتتعامل معه كحالة مستمرة لا كحدث انتهى.

 

وبين هذين القطبين، يظل السؤال مطروحًا: هل تبقى 28 يناير مجرد ذكرى في التقويم، أم تعود – في لحظة ما – كمرجع لإعادة طرح أسئلة العدالة والحرية والكرامة التي رفعتها الحناجر قبل 15 عامًا؟