في مشهد يلخّص قسوة اللحظة الاقتصادية والاجتماعية في مصر، أوقفت هيئة التأمين الصحي بمحافظة الغربية تقديم الخدمات الطبية والعلاجية لنحو 600 عامل بشركة «وبريات سمنود»، بدعوى مديونية تتجاوز 15 مليون جنيه على الشركة، رغم انتظام خصم اشتراكات التأمين من أجور العمال شهريًا. قرارٌ واحد جعل مئات المرضى، أكثر من نصفهم يعاني أمراضًا مزمنة كالسكر والضغط والربو، بين ليلة وضحاها بلا دواء ولا كشف، وكأن حياتهم بند قابل للتجميد في ميزانية متهالكة.
عاملة مريضة بالسكر تحكي أنها اضطرت بعد وقف العلاج الشهري إلى شراء حقن إنسولين بـ150 جنيهًا تكفي ثلاثة أيام، بينما يدفع آخرون ما يصل إلى 500 جنيه أسبوعيًا لأدوية لا ترحم، في وقت لا تكفي فيه الرواتب أصلاً لسد رمق الأسرة وسط الغلاء. هذه ليست فقط أزمة علاج، بل إعلان صريح بأن العامل مجرد رقم يمكن الضغط به لتحصيل ديون الشركة.
حين يتحول الدواء إلى عقاب جماعي: العمال يدفعون ثمن مديونية لم يصنعوها
قرار التأمين الصحي لم يقف عند حدّ رفض تجديد البطاقات المنتهية، بل امتد إلى وقف صرف العلاج الشهري لأصحاب الأمراض المزمنة، ورفض استقبال المرضى من عمال «وبريات سمنود» حتى ممن لا تزال بطاقاتهم سارية، وفق ما وثقته شهادات العمال وبيان دار الخدمات النقابية والعمالية الذي دان ما وصفه بـ«الحرمان من الحقوق التأمينية» للعاملين بالشركة.
المنطق الذي يقدَّم للعامل بسيط وصادم:
الشركة مديونة.. ادفعوا أنتم ثمن سوء إدارتها بصحتكم وحياتكم.
في الخلفية، تؤكد دار الخدمات أن العمال ليسوا طرفًا في نزاع المديونية، وأن دور التأمينات يجب أن ينحصر في مخاطبة الشركة المالكة – التي يسيطر على معظم أسهمها بنك الاستثمار العربي – لتحصيل المستحقات، لا تحويل مئات المرضى إلى رهائن حتى تسوّي الإدارة ملفاتها المالية.
كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، وهو من أبرز رموز الحركة العمالية في مصر، بنى مسيرته على الدفاع عن فكرة أساسية: أن التأمين الاجتماعي والصحي حق شخصي للعامل لا يجوز ربطه بتقاعس صاحب العمل أو ديونه. تقارير الدار المتتابعة عن انتهاكات الحريات النقابية وحقوق العمال تعيد التأكيد على أن نمط حرمان العمال من العلاج بسبب مديونية الشركة بات يتكرر في أكثر من منشأة، في انتهاك صارخ لجوهر التأمين الاجتماعي.
من زاوية أخرى، يرى الخبراء أن التأمين الصحي هنا يُستخدم سلاح ضغط: إما أن تسدد الإدارة ما عليها أو يُترك العمال لمصيرهم مع المرض. لا نُمسك بمستند رسمي يقر بهذه الفلسفة، لكن ما يجري على الأرض لا يحتاج إلى الكثير من الخيال لتفسيره.
شركة تُجرِّب كل أدوات القمع: من تجويع الأجور إلى خنق العلاج
أزمة العلاج الحالية لا تأتي من فراغ؛ فهي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات ضد عمال «وبريات سمنود». في أبريل 2025، طبقت الإدارة الحد الأدنى للأجور (7 آلاف جنيه) على موظفي الإدارة ومشرفي الأقسام فقط، واستثنت بقية العمال، وهو ما وصفته دار الخدمات بأنه «تمييز فج» فجّر موجة غضب داخل الشركة.
لاحقًا، في أغسطس، خاض العمال إضرابًا استمر 35 يومًا للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجر، قبل أن يُجبَروا على إنهائه تحت تهديدات بالفصل والحبس، أعقبه القبض على عشرة عمال، بينهم القيادي العمالي هشام البنا، وتوجيه اتهامات ثقيلة لهم من نوع «التحريض على الإضراب وقلب نظام الحكم»، ثم فصل البنا تعسفيًا بحكم قضائي، في رسالة واضحة لكل من يجرؤ على رفع صوته.
اليوم، بعد تجويع الأجور وعقاب الإضراب، جاء الدور على دواء الضغط والإنسولين وبخاخات الربو. القرار الصحي يبدو مكملًا لمسار إدارة قررت أن تتعامل مع العمال باعتبارهم مادة خام قابلة للاستهلاك والقمع معًا.
المحامي الحقوقي خالد علي، الذي قاد معارك قضائية سابقة دفاعًا عن الحد الأدنى للأجور والتأمين الاجتماعي، سبق أن حذّر من قوانين عمل وتأمينات تسمح عمليًا بتحويل حقوق العمال إلى أدوات في يد أصحاب الأعمال والدولة؛ إذ انتقد في تحليله لقانون العمل الجديد السماح بالفصل التعسفي وإضعاف حماية العمال، ما يمهّد لمثل هذه الأوضاع التي يُحمَّل فيها العامل تكلفة تقاعس صاحب العمل عن سداد التأمينات.
من جانبها، دأبت الناشطة العمالية فاطمة رمضان، القيادية في الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، على انتقاد السياسات التي تنحاز لأصحاب الأعمال في قوانين العمل والأجور، واعتبرت في أكثر من حوار وتصريح أن الدولة تستسهل دائمًا معاقبة الطرف الأضعف – العامل – بدل مواجهة أصحاب الأعمال المتقاعسين أو إصلاح المنظومة من جذورها. فلسفتها، المستندة إلى عقود من العمل النقابي، تجعل من أزمة «وبريات سمنود» نموذجًا فاقعًا: شركة خاصة مستندة إلى ظهر بنكي قوي، ودولة تغض الطرف عن تجاوزاتها، وعمال محرومون من الدواء لأنهم تجرأوا يومًا وطالبوا بالحد الأدنى للأجر.
الخلاصة: ما يجري في «وبريات سمنود» ليس نزاعًا إداريًا على مديونية، بل اختبار خطير لفلسفة التأمين الصحي والاجتماعي في مصر: هل هو حق للعامل يُصان مهما اختلفت الدولة مع صاحب العمل، أم مجرد امتياز يمكن مصادرته متى احتاجت السلطة إلى ورقة ضغط جديدة على أجساد من يفترض أنها تحميهم؟

