لم يكد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي ينهي خطابه الأخير في أكاديمية الشرطة، حتى امتلأت منصات التواصل بسيل من التعليقات الغاضبة والساخرة معًا. خطابه الذي حاول فيه – مرة أخرى – نفي الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وتبرئة نفسه من الدماء، واستعطاف ضباطه وجنوده، وتحويل كل الكارثة إلى “سوء فهم” أو “محاولة للإصلاح”؛ قُوبل هذه المرة بوصف واحد يتكرر على ألسنة كثير من المعارضين: «الكذاب الأشر».

 

النشطاء لم يكتفوا بنقد محتوى الخطاب، بل قرأوا نبرة الصوت، وتلعثم اللسان، وكثرة الحلف والقَسَم، واستدعاء الخطاب الديني، وصولًا إلى استعطاف الضباط والجنود، باعتبارها علامات على خوف داخلي وانهيار نفسي، أكثر مما هي تعبير عن ثقة أو قوة. بين تحليلات قانونية وسياسية، واستشهادات قرآنية، وسخرية لاذعة، ظهرت صورة رجل يحاول بكل ما أوتي من لغة ودين وبكائيات أن يمحو جريمة لا تسقط بالتقادم.

 

قائد يستعطف ضباطه… هل تقترب لحظة الانهيار؟

 

المستشار وليد شرابي، أحد أبرز رموز القضاة الأحرار في المنفى، قدّم قراءة حادة لمشهد السيسي وهو يخاطب ضباطه وجنوده بنبرة استعطاف، مؤكدًا أن خروج قائد بهذا الشكل يعني – في لغة الجيوش – حالة انهيار لا حالة قوة.

 

 

شرابي يرى أن الضباط والجنود الذين يستمعون اليوم لاسترحام قائدهم، يدركون في قرارة أنفسهم أن السفينة تغرق، وأن من على رأسها يحاول القفز قبل أن يبتلعه الغرق. ولذلك، كما يقول، سيكونون أول من ينحاز للشعب عندما تحين لحظة الحسم، لأنهم في النهاية جزء من المجتمع الذي يسحقه هذا النظام اقتصاديًا وسياسيًا وأخلاقيًا.

 

في تغريدة أخرى، يذهب شرابي أبعد في تشريح الحالة النفسية للسيسي؛ فيقول إنه يعيش “أسود أيام حياته”، موقنًا بأن موعد الحساب قد اقترب، وأن ذلك يبدو في “نظراته الحائرة” و”الطرب” الذي يخرج منه حين يسترحم ضباطه وجنوده ويتلعثم متذكّرًا غدراته، ثم يحاول تبرير جرائمه كأنما يدافع عن نفسه أمام محكمة تاريخية يراها قادمة لا محالة.

 

 

على الخط نفسه، يلتقط الصحفي عبد الرحمن النجار البعد النفسي في المشهد، مستحضرًا المثل الشعبي: “اللي على راسه بطحة بيحسّ عليها”. فالسيسي – كما يقول – منذ 13 عامًا لا يفوّت مناسبة دون أن “يحسس على البَطْحة”، فيعود إلى 30 يونيو و3 يوليو ورابعة، وينفي أنه انقلب أو قتل أو خان، رغم أن أحدًا لم يسأله في تلك اللحظة. لكنه خوفٌ من جُرم ملازم، يجعله في حالة دفاع دائم عن نفسه أمام شعب يعرف الحقيقة.

 

الناشطة دينا ذكريا ربطت بين هذا الارتباك وبين خوف واضح من الجيل الجديد، مؤكدة أن السيسي ظهر “من غير ورق”، فخرجت منه اعترافات وحلفان مرتبك، وأنه مرعوب من جيل (Z) الذي يكمّل ما بدأه جيل يناير، وأن تراكم الوعي هو ما يهدّد كل نظام قمعي مهما بالغ في التزييف والقمع.

 

 

هكذا يتشكل في وعي النشطاء مشهد حاكم لم يعد مطمئنًا إلى ضباطه ولا إلى شعبه، يكثر من الاسترحام والحلف، ويتصرف كمتهم أكثر منه كرئيس، ويستشعر أن ساعة السقوط تقترب، مهما طالت.

 

كثرة الحلف واستدعاء الدين: «الكذاب الأشر» في مرآة الخطاب الديني

 

جانب آخر من نقد النشطاء انصبّ على كثرة حلف السيسي بالله واستدعائه المستمر لاسم الله في كل وعد وقرار.

الكاتب محمد إلهامي وصف خطابه بأنه يعيد إلى الأذهان آياتٍ قرآنية عن المنافقين الذين “يحلفون بالله لكم ليرضوكم”، وعمّن “يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا”، بينما يعلم الله ما في قلوبهم.

إلهامي يرى أن السيسي يجسد هذه الصورة حرفيًا: يكثر من القسم والإشهاد على ما في قلبه، مع علمه أنه يكذب على شعب يعرف أنه يكذب.

 

 

نظام المهداوي من جهته قدّم تشريحًا أقسى؛ إذ يرى أن السيسي يتحدث عن “ربنا عز وجل” في كل عبارة تقريبًا، حتى ليخاله السامع وليًّا من أولياء الله، بينما الحقيقة – في رأيه – أنه يستخدم الدين كغطاء سياسي، كما تستخدمه السلطة دائمًا لتبرير القمع.

يقول المهداوي إنك لو أحصيت عهوده وأيمانه منذ تولى الحكم لاكتشفت أنه “كذاب أشر”، يقسم لأنه يكذب، ويعلم أنه يكذب، ويعلم أن الناس تعلم بكذبه، ثم يجرؤ مع ذلك أن يقول إنه لم يتورط في الدماء، رغم بحور الدم في غزة وسيناء ورابعة والسجون.

 

الشيخ سلامة عبد القوي ركّز على لغة الجسد أكثر من اللغة المنطوقة؛ فقال إن نظرات السيسي وحدها تكفي للحكم بأنه كذاب؛ حركات يديه، تعثر لسانه، استدعاؤه لمواقف قديمة بلا مناسبة، استحضاره للخطاب الوعظي الديني، تكراره الحلف بالله… كلها، في رأيه، إشارات على أنه يعرف أنه يكذب، وأنه يحاول تغطية هذا الزيف بطبقات كثيفة من الدين والإنشاء العاطفي.

 

 

الطبيب والحقوقي د. مصطفى جاويش لخّص ذلك في عبارة موجعة: “كاد المريب أن يقول خذوني”. فالسيسي – كما يقول – يكذب، ويعلم أنه يكذب، ويعلم أن الشعب يعرف بكذبه، لأن يده “متعاصة” بدماء الأبرياء، وأن الخصوم ستجتمع عند الله مهما حاول أن يقدم أمامهم اليوم مرافعة استباقية.

 

 

هذا التلاقي بين قراءة دينية وأخلاقية وسياسية لشخصية الحاكم جعل وصف «الكذاب الأشر» يتردد كعنوان ضمني لخطابه الأخير، ليس بوصفه زلة لسان هنا أو هناك، بل نمطًا متكررًا من الإنكار والتزوير ومحاولة الاحتماء بالدين، بينما الحقائق على الأرض تنطق بعكس ما يقول.

 

الوثائق والاعترافات تفضح رواية الانقلاب… والتاريخ لا يُكتب في أكاديمية الشرطة

 

في مواجهة محاولة السيسي إعادة تدوير رواية 3 يوليو، والادعاء بأنه لم ينقلب على الرئيس مرسي، بل حاول “الصلح” مع الإخوان والذهاب إلى الانتخابات، استدعى نشطاء وحقوقيون ما يعتبرونه “ملفًا مضادًا” من الوثائق والشهادات.

 

الصحفي عبد الحميد قطب نقل عن ياسر رزق – رئيس تحرير أخبار اليوم الأسبق والمقرّب سابقًا من دوائر السلطة – شهادته بأن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري زار مصر في مارس 2013، أي قبل الانقلاب بثلاثة أشهر، والتقى السيسي الذي أبلغه حينها أن “حكم مرسي انتهى”. هذه الرواية، إن صحت، تنسف من الأساس ادعاء أنه كان مجرد “وزير دفاع محايد” ينتظر إرادة الشعب، وتكشف أن قرار التخلص من التجربة الديمقراطية كان مبكرًا ومبيّتًا.

 

 

الحقوقي أسامة رشدي قدّم خيطًا آخر من الأدلة؛ مستعيدًا شهادة وزير خارجية قطر الأسبق حمد بن جاسم (أو حمد العطية كما يتداول النشطاء) عن إفشال الوساطة القطرية قبل الانقلاب، ثم بيان محمد البرادعي في نوفمبر 2016، الذي أقر فيه بأن مرسي كان محتجزًا بالفعل صباح 3 يوليو، وأن ما سُمّي “اجتماع القوى الوطنية” كان فوق جثة الشرعية.

 

رشدي يربط ذلك بما كشفه الصحفي الأمريكي ديفيد كيركباتريك في كتابه “في أيدي العسكر”، عن أن القرار لم يكن “فض اعتصام” بل مذبحة مخططًا لها بدم بارد، بتحريض واضح من نظام الإمارات.

 

 

حساب “حزب تكنوقراط مصر” و“صدى مصر” أعادا التذكير بالمقطع المتداول لوزير الدفاع القطري الذي يفضح – بحسب وصفهم – “كدب السيسي” حول محاولات الصلح، مؤكدَين أن السيسي منذ اليوم الأول كان يسعى للقضاء على التجربة الديمقراطية مهما كلف الأمر من دماء المصريين، وأن كل حديث لاحق عن حوار وانتخابات مجرد مسرحية لتجميل جريمة مكتملة الأركان.

 

..

 

في الخلفية، يواصل نظام المهداوي قراءة المشهد ككل: سلطة تحتكر الدين، تستدعي الدعاة، وتحول المنابر إلى منصات تبرير للدم، بينما توثّق الكاميرات بحورًا من الدماء في غزة وسيناء ورابعة وسجون مصر. بالنسبة له، كثرة القسم ومحاولة تبرئة اليد من الدم هي اعتراف غير مباشر بحجم الجريمة، وليست دليل براءة كما يتوهم صاحبها.

 

 

بين هذه الشهادات والتغريدات المتقاطعة، يخرج تقرير ثوري غير مكتوب، خلاصته أن السيسي – في نظر قطاع واسع من المصريين في الداخل والخارج – لم يعد مجرد حاكم استبدادي فاشل اقتصاديًا، بل «الكذاب الأشر» الذي يحاول إعادة كتابة التاريخ من منصة أكاديمية الشرطة، بينما الحقيقة محفوظة في ذاكرة الناس، وفي أرشيف الفيديوهات، وفي اعترافات من شاركوه المشهد ثم انقلبوا عليه أو ابتعدوا عنه.

 

خطاب السيسي الأخير، بكل ما فيه من حلفان واسترحام وإنكار، لم يغسل يديه من الدم في نظر هؤلاء؛ بل جعل البَطْحة على رأسه أوضح، وأعاد فتح ملف الانقلاب والمذابح، وأطلق من جديد السؤال الذي يؤرقه أكثر من غيره: متى يأتي اليوم الذي يُحاسَب فيه الكذاب الأشر على كل ما ارتكب؟