بينما تملأ وزارة التعليم بحكومة الانقلاب الشاشات بعبارات من نوعية «الانضباط الكامل» و«تطبيق قانون مكافحة الغش»، كانت جروبات تليجرام تفعل العكس تمامًا: تسريب امتحان الدراسات الاجتماعية للشهادة الإعدادية في الجيزة قبل بدء اللجان، وحلّه على الجروب السري، في فضيحة جديدة تضرب ما تبقى من هيبة الامتحان والتعليم معًا، وتكشف أن «دولة الامتحانات» على الورق شيء، وما يجري داخل اللجان شيء آخر تمامًا.
في أقل من ساعة، كان امتحان الدراسات – الذي يُفترض أنه «سري للغاية» – معروضًا على هواتف الطلاب وأولياء الأمور، بينما تجري الامتحانات كأن شيئًا لم يحدث، في مشهد يلخص علاقة وزارة التعليم بملف الغش: بيانات صارمة قبل الامتحان، فوضى كاملة أثناءه، وتبريرات باهتة بعده.
تسريب على تليجرام… ووزارة مشغولة بالشو الإعلامي
تداولت جروبات الغش الإلكتروني على تليجرام امتحان الدراسات للشهادة الإعدادية بالجيزة في الساعة التاسعة وخمسين دقيقة صباحًا، أي في ذروة زمن اللجنة، بعد أن أعلن حساب «شاومينج» نفسه أنه تم تغيير الامتحان بعد تسريبه فجر الخميس، ثم نشر النسخة الجديدة وحلّها للطلاب على الجروب السري.
هذا يعني ببساطة أن هناك من داخل المنظومة – من المطبعة السرية إلى الإدارات واللجان – يشارك في التسريب، وأن تكرار نفس السيناريو عامًا بعد عام لم يعد «أخطاء فردية» بل نمطًا مستقرًا، يتمدد تحت عين وزارة تتحدث كثيرًا عن «الانضباط» لكنها تعجز حتى عن حماية ورقة أسئلة لمدة ساعة واحدة.
في المقابل، كان أولياء الأمور يلهثون خلف صور الامتحان على مواقع التواصل فقط للاطمئنان على مستوى الأسئلة، بينما الحقيقة أن أبناء البعض يجلسون في لجان محصنة بالغش الإلكتروني، وأبناء آخرين – في مدارس أقل حظًا – يحاولون حل الامتحان بجهدهم وحدهم، لتتحول «تكافؤ الفرص» إلى نكتة مكررة لا تضحك أحدًا.
حتى طلاب الإعدادية الأزهرية، الذين أدّوا امتحان اللغة الأجنبية والتربية الفنية والمستوى الرفيع في نفس اليوم، لم يكونوا بمنأى عن جو التوتر والقلق الناتج عن الحديث المتكرر عن التسريبات والغش، وكأن رسالة الدولة للأجيال الجديدة واضحة: من يملك التليفون والجروب السري أقرب إلى النجاح ممن يملك الكتاب والمذاكرة.
تعليمات «حديدية» على الورق… ولجان مفتوحة للغش
قبل أيام من انطلاق امتحانات نصف العام، أرسلت المديريات التعليمية سيلًا من «التعليمات الصارمة» إلى الإدارات ورؤساء اللجان:
- توفير بيئة امتحانية هادئة وآمنة.
- حظر دخول الهواتف المحمولة والساعات الذكية.
- التطبيق الفوري للقانون 205 لسنة 2020 لمكافحة الغش.
- منع تصوير أو نشر أي جزء من ورقة الأسئلة.
- المساءلة الفورية عن أي تقصير إداري.
الكلام مثالي، لكن الواقع عكسه تمامًا. إذا كان حظر الهواتف مطبقًا بالفعل، فكيف وصلت ورقة الامتحان إلى تليجرام قبل انتهاء اللجنة؟ من الذي صوّرها؟ ومن سمح له بحمل جهاز من الأصل؟ وأين «التفتيش» و«الملاحظ اليقظ» و«رئيس اللجنة المسؤول»؟
الحقيقة أن هذه التعليمات تحوّلت إلى ورق يُعلّق على جدران الإدارات، لا إلى إجراءات تحمي الامتحان. كثير من المدارس ما زالت تسمح بدخول الهواتف «مستخبّية»، وبعض الملاحظين يغضّون الطرف عن الغش المباشر، إما خوفًا من الاحتكاك مع الطلاب وأهاليهم، أو طمعًا في «إرضاء الإدارة» التي تريد لجانًا «هادئة بلا مشاكل» ولو على جثة العدالة.
ومع اقتراب إجازة منتصف العام – التي تبدأ السبت 24 يناير وتستمر أسبوعين – تُسارع وزارة التعليم إلى إعلان أن الامتحانات سارت «بنجاح»، وأنه تم «السيطرة على محاولات الغش»، بينما الصور المتداولة من جروبات الغش تقول العكس، وتفضح نظامًا لا يملك الشجاعة للاعتراف بأن الامتحان فقد قدسيته تحت حكم الفوضى والإهمال والفساد الإداري.
جيل يتعلم أن الغش هو القاعدة… فمن يحاسب من؟
الخطر في تسريب امتحان الدراسات أو غيره لا يقف عند حدود مادة أو محافظة؛ المشكلة أعمق بكثير: جيل كامل يتربى على أن الغش هو الطريق الطبيعي للنجاح، وأن «الذكي» ليس من يذاكر، بل من يعرف الجروب السري والوسيط داخل اللجنة.
حين يرى الطالب أن الدولة لا تحمي حقه في امتحان نزيه، بل تتركه في منافسة غير عادلة مع من يحملون الأسئلة مسبقًا، فماذا نتوقع منه حين يكبر؟ مسؤولًا يغش في مناقصة؟ طبيبًا يزوّر تقريرًا؟ قاضيًا يساوم على حكم؟ كل ذلك يبدأ من هنا: من لجنة مدرسة إعدادية، وملاحظ أدار وجهه عن الغش، ومسؤول قبِل أن يمر التسريب دون حساب حقيقي.
لا معنى لتطبيق قانون مكافحة الغش على طالب صغير فقط، بينما من سرب الامتحان ومن سهّل ومن تستر يخرجون بلا عقاب. ولا معنى للكلام عن «تطوير المناهج» و«الانتقال للتقويم الشامل» في ظل نظام امتحانات يسمح لجماعات على تليجرام أن تتحكم في مصير آلاف الطلاب، بينما وزير التعليم الانقلابي يكتفي بالخريطة الزمنية والبيانات الصحفية.
إذا لم تُفتح ملفات التسريب بجدية، ويُكشف للرأي العام من هو المسؤول عن خروج الامتحان من مكان طباعته إلى شاشة تليفون، وإذا لم يتحول كل رئيس لجنة متواطئ وكل مسؤول مهمل إلى متهم لا إلى موظف محمي، فسنظل ندور في الحلقة نفسها: امتحانات تُسرَّب، بيانات تُنشر، أجيال تُفسَد، وتعليم ينهار ببطء تحت راية «الاستقرار» المزعوم.
الغش الإلكتروني ليس ظاهرة طارئة، بل نتيجة طبيعية لنظام تعليم فقد احترامه لنفسه، وللدولة قررت أن تضحي بنزاهة الامتحان مقابل «شكل» هادئ على الورق. وفي ظل هذه الإدارة، لن يكون السؤال: «هل تم تسريب الامتحان؟» بل: «أي امتحان لم يُسرب بعد؟»… وهذا أخطر ما في المشهد.

