فضل عبد الغني
مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان
شكل جهاز الأمن السوري في عهد بشار الأسد أحد أكثر أنظمة السيطرة السياسية اتساعا وتشعبا في الشرق الأوسط الحديث؛ وضمن هذه الشبكة الواسعة من أجهزة الاستخبارات، احتل الفرع (300)، المسمى رسميا فرع "مكافحة التجسس" التابع لإدارة المخابرات العامة، موقعا بالغ الأهمية.
فعلى الرغم من التفويض الاسمي المتمثل في رصد التهديدات الخارجية ومواجهة أنشطة التجسس، تحول الفرع (300) عمليا إلى أداة مركزية للقمع الداخلي، واستهدف المدنيين والمعارضين السياسيين والصحفيين والناشطين المدنيين بصورة ممنهجة.
وتجسد ممارسات هذا الفرع التحول الأوسع الذي طرأ على أجهزة الأمن السورية، من مؤسسات صممت ظاهريا لحماية الدولة إلى آليات شاملة للسيطرة المجتمعية والاضطهاد؛ ويقتضي فهم الفرع (300) تناول أصوله المؤسسية، وهيكله التنظيمي، وممارساته التشغيلية، والأطر القانونية التي تحكم مسؤولية القيادة عن الانتهاكات المنسوبة إليه.
النشأة المؤسسية والبنية التنظيمية
تأسست إدارة المخابرات العامة، المعروفة باسم "أمن الدولة"، رسميا بموجب المرسوم التشريعي رقم "14" لعام 1969، غير أن ملامحها العملياتية تبلورت بوضوح في عهد حافظ الأسد بعد توليه الرئاسة عام 1970.
وفي هذا الإطار المؤسسي الأوسع، يرجح أن الفرع (300) ظهر في أواخر السبعينيات، أو أوائل الثمانينيات، في سياق سعي النظام إلى تعزيز قدراته على رصد الأنشطة السياسية والاجتماعية ذات الصلة بالكيانات الأجنبية.
وتشير مذكرة صادرة عن الفرع بتاريخ 2 مارس 2011، استنادا إلى القرار رقم "598" لعام 2002، إلى أن الفرع (300) عمم توجيهات بإنشاء فرق لمكافحة التجسس تابعة له في جميع المحافظات السورية، بما يدل على اتساع نطاق عملياته على المستوى الوطني.
ووفقا للهيكل الهرمي، يخضع الفرع (300) لإدارة مديرية المخابرات العامة، التي ترفع تقاريرها إلى مكتب الأمن القومي، ومن ثم إلى رئاسة الجمهورية؛ وقد ربطت هذه السلسلة القيادية عمل الفرع بأعلى مستويات القرار في النظام.
وبصفته فرعا مركزيا، تمتع بمرتبة أعلى من الفروع الإقليمية، ومارس صلاحيات واسعة على مستوى البلاد. ويتألف هيكله الداخلي من إدارات رئيسية متعددة، من بينها إدارة التحقيقات المركزية، وإدارة المتابعة الخارجية، وإدارة التحليل والمراسلات، وإدارة التوقيف، والتحقيق، والاستجواب. وعادة ما كانت القيادة بيد ضابط برتبة عميد أو لواء، يعاونه رؤساء الإدارات وأفراد الأمن.
ويعكس موقع الفرع في دمشق، داخل حي كفر سوسة الأمني بالقرب من مجمع مقر أمن الدولة، اندماجه في البنية التحتية الأمنية الأساسية.
وقد صمم المبنى على نمط فروع أمن الدولة الأخرى، بما يتسم به من سرية مشددة، وجدران خرسانية عالية، وغياب شبه تام للعلامات الدالة على طبيعة المنشأة.
ويضم الطابق السفلي زنزانات فردية وجماعية، وغرف استجواب، وغرف تعذيب، بينما يضم الطابق العلوي مكاتب الضباط والمحققين، إلى جانب أقسام الأرشيف والاتصالات.
الوظائف التشغيلية وآليات القمع
على الرغم من تصنيف الفرع (300) رسميا كفرع استخباراتي وقائي يركز على مكافحة التجسس، فإن مهامه الفعلية تجاوزت بكثير رصد التهديدات الخارجية؛ إذ شمل نطاق عملياته مراقبة العلاقات الخارجية للسوريين، وملاحقة المعارضين السياسيين، واتهام النشطاء والمدنيين بالتجسس، أو التعامل مع جهات أجنبية؛ ذريعة للاعتقال التعسفي والتعذيب.
وقد أدى هذا التفسير الموسع للولاية إلى تحويل الفرع إلى أداة رئيسية لترسيخ مناخ الخوف، جامعا بين المراقبة الداخلية والخارجية، ومشاركا في شبكات تنسيق أمني استخدمت لإسكات المجتمع بدلا من حماية الدولة.
اتسمت أنشطة الرصد التي اضطلع بها الفرع بطابع شامل واسع النطاق؛ فقد راقب الدبلوماسيين وموظفي المنظمات الدولية والمغتربين ذوي الصلات الخارجية، بغض النظر عن طبيعتها، ضمن سياسة تقوم على الشك الدائم.
كما تتبع دخول وتحركات الأجانب غير السوريين والعرب إلى البلاد، ورصد المؤسسات الحكومية والخاصة التي تتعامل مع كيانات أجنبية، وتابع أنشطة الأحزاب السياسية والشخصيات ذات الصلات الخارجية.
وتؤكد وثائق مؤرخة في نوفمبر 2011 أن الفرع (300) رصد أنشطة الأحزاب اللبنانية، بما في ذلك الحزب الشيوعي اللبناني، وتابع اجتماعات عقدت مع شخصيات من المعارضة السورية في بيروت، بما يشير إلى امتداد عملي لصلاحياته إلى مراقبة عابرة للحدود.
ومن أبرز أوجه نشاطه استهداف السوريين الذين يتواصلون مع وسائل الإعلام الأجنبية أو منظمات حقوق الإنسان، عبر اتهامهم بتلقي تمويل أجنبي، أو التعاون مع جهات معادية.
وقد استخدمت هذه الاتهامات الفضفاضة لتبرير الاعتقال التعسفي دون أدلة جوهرية. وتظهر وثيقة صادرة في مارس 2014 أن الفرع (300) راقب عن كثب أنشطة المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك اجتماعات اللجان الجنائية الدولية في غازي عنتاب، واقترح اتخاذ تدابير عقابية بحق بعض المشاركين، وهو ما يعكس استمرار الاستهداف حتى خارج الأراضي السورية.
عمل الفرع (300) كجزء من شبكة أمنية مترابطة لتبادل المعلومات والتعليمات وتنسيق عمليات المراقبة والاعتقال؛ وقد ضمن هيكل الإدارة تدفقا مستمرا للبيانات بين الفروع المحلية والمركزية، بما أتاح سيطرة واسعة على الأفراد والمجتمع.
ونسق الفرع على نطاق واسع مع فرع المعلومات (255)، والفرع الخارجي (279)، والفرع الداخلي (251)، وفروع التحقيق، بما يبرز دوره بوصفه حلقة وصل بين الأبعاد الداخلية والخارجية لعمل الجهاز.
كما تظهر وثائق الفترة الممتدة بين 2011 و2014 كثافة المراسلات بين الفرع (300) والفروع (251) و(325) و(331)، بما يوضح الطابع الشبكي المتكامل لعمليات هذه المنظومة.
أنماط الانتهاكات والتجاوزات الموثقة
اتبعت الانتهاكات المنسوبة إلى الفرع (300) أنماطا تتسق مع الانتهاكات الممنهجة الأوسع التي ارتكبتها أجهزة الأمن السورية بعد عام 2011.
فقد شارك الفرع بنشاط في عمليات قمع ميدانية شملت الاعتقال التعسفي، والاستجواب تحت التعذيب، والإخفاء القسري بحق مدنيين، من بينهم ناشطون وصحفيون وموظفون في مؤسسات حكومية. كما مثل الفرع حلقة ضمن شبكة أوسع من مراكز الاحتجاز التابعة لأمن الدولة، التي اشتركت في أنماط متكررة من التعذيب والمعاملة القاسية والإخفاء القسري.
واتسمت ممارسات الفرع بعنصرين رئيسيين:
أولهما؛ الطابع الفضفاض للاشتباه، حيث جرى توسيع مفهوم التعامل مع كيانات أجنبية ليشمل أي شخص يعتقد أنه منخرط في نشاط معارض، أو على صلة بجهات خارجية، دون اشتراط أدلة ملموسة.
وثانيهما؛ أن التنسيق الأمني الرأسي بين المستويات القيادية والتنفيذية أدى إلى نقل أعداد كبيرة من المحتجزين إلى مراكز احتجاز أخرى بعد استجوابات أولية داخل الفرع (300)، من دون أي إجراءات قضائية.
وتظهر الوثائق التي أشارت إليها الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن الفرع (300) وجه تعليمات ومقترحات مباشرة إلى فروع أخرى لتنفيذ اعتقالات أو متابعة قضايا محددة، وأكدت أنها وثقت ما لا يقل عن 17 ألفا و438 حالة اعتقال تعسفي، و2463 حالة وفاة نتيجة التعذيب نسبت إلى هذا الفرع وحده، وأن الضباط ركزوا على أسئلة تتعلق بالتمويل الأجنبي وبالعلاقات مع الصحفيين الأجانب، وأن جلسات الاستجواب كانت تقترن بصورة متكررة بتعذيب جسدي لإجبار المحتجزين على توقيع اعترافات معدة مسبقا.
وتشمل الانتهاكات الموثقة كذلك حرمان المحتجزين من الرعاية الصحية، وحرمانهم من ضمانات المحاكمة العادلة نتيجة عدم عرض معظمهم على قاضٍ، إضافة إلى الابتزاز المالي عبر مطالبة عائلاتهم بمبالغ كبيرة مقابل معلومات عن ذويهم أو مقابل وعود بالإفراج، فضلا عن مراقبة الاتصالات دون التقيد بإجراءات قضائية.
المسؤولية القانونية ومساءلة القيادة
يفرض مبدأ مسؤولية القيادة في القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان مسؤولية جنائية على القادة والضباط عن الأوامر التي يصدرونها، وكذلك عن الانتهاكات التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا كانوا على علم بها أو كان ينبغي لهم أن يكونوا على علم بها، ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
ويبين تحليل الوثائق أن الفرع (300) يتبع إداريا وتنظيميا مدير إدارة المخابرات العامة، ومن ثم يخضع لسلطة مكتب الأمن القومي ورئاسة الجمهورية. وترتب هذه العلاقة الهرمية مسؤولية على هذه المستويات عن السياسات والممارسات التي انطوت على الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري، ضمن نطاق اختصاص الفرع.
وخلال أربعة عشر عاما، من عام 2011 وحتى سقوط النظام، لم يتولّ قيادة إدارة المخابرات العامة سوى ثلاثة أفراد: اللواء زهير حمد من عام 2011 إلى 2012، واللواء محمد ديب زيتون من عام 2013 إلى 2019، واللواء حسام محمد لوقا من عام 2020 إلى 2024.
ويعكس هذا العدد المحدود من القادة، واستمرارية كل منهم، ولا سيما اللواء زيتون الذي شغل المنصب سبع سنوات متتالية، اعتماد النظام على قيادة مستقرة لضمان تنفيذ السياسات الأمنية العليا. كما يلقي تركز السلطة في دائرة ضيقة بظلاله على المسؤولية المباشرة لهؤلاء القادة عن القرارات والسياسات الأمنية، وعن الانتهاكات التي ارتكبتها الوكالة خلال فترات ولايتهم.
وترتبط بمحاسبة مرتكبي انتهاكات الفرع (300) مبادئ قانونية متعددة؛ فجرائم كالقتل والتعذيب والإخفاء القسري لا تسقط بالتقادم، ولا سيما عندما ترتكب في إطار هجوم واسع النطاق، أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، بما يندرج ضمن توصيف الجرائم ضد الإنسانية وفقا للمادة "7" من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ويعد الإخفاء القسري جريمة مستمرة ما دام مصير الضحية مجهولا أو مكان احتجازها غير مفصح عنه، ومن ثم لا يبدأ سريان أي مدد زمنية إلا بعد كشف الحقيقة.
كما لا تقبل أوامر الرؤساء أو ذرائع الأمن بوصفها مبررا للانتهاكات الجسيمة، وأي اعترافات أو معلومات تنتزع تحت التعذيب أو المعاملة القاسية تفتقر إلى الحجية ولا تصلح دليلا أمام القضاء.
خاتمة
يمثل الفرع (300) التابع لإدارة المخابرات العامة نموذجا كاشفا لكيفية تحول المؤسسات الأمنية من وظائفها الحمائية الاسمية إلى أدوات قمع ممنهج. فقد أنشئ لرصد التهديدات الخارجية ومكافحة التجسس، ثم تطور ليغدو مركزا محوريا في الجهاز الأمني السوري، منخرطا في الاعتقالات التعسفية والتعذيب والإخفاء القسري. وجاءت ممارساته ضمن سياسة قمع منسقة على مستوى الدولة نفذت عبر شبكة مترابطة من الأجهزة الأمنية تحت قيادة مركزية.
وتبرز الانتهاكات الموثقة المنسوبة إلى الفرع (300)، بما في ذلك أكثر من سبعة عشر ألف حالة اعتقال تعسفي، ونحو 2500 حالة وفاة نتيجة التعذيب، حجم المعاناة الإنسانية التي أنتجتها هذه المنظومة.
وفي سياق المرحلة الانتقالية في سوريا، تكتسب وثائق دور الفرع (300) أهمية مزدوجة بوصفها سجلا تاريخيا من جهة، وأساسا لمساءلة قانونية من جهة أخرى.
وتقتضي مبادئ العدالة الانتقالية تمكين الضحايا وعائلاتهم من الوصول إلى الحقيقة، وملاحقة الجناة على مختلف المستويات، واعتماد إصلاحات هيكلية تضمن عدم تكرار الانتهاكات. وبذلك تقدم تجربة الفرع (300) دروسا عملية لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية ضمن رقابة قانونية ومؤسسية فعالة، تستند إلى سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

