في خطوة توصف رسميًا بأنها "اختراق تاريخي" لقطاع النفط، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا عبد الحميد الدبيبة توقيع اتفاق مدته 25 عامًا مع شركتي توتال إنرجيز الفرنسية وكونوكو فيليبس الأمريكية ضمن شركة الواحة، باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار، وبوعدٍ بزيادة الإنتاج بقدرة إضافية تصل إلى 850 ألف برميل يوميًا، وبـ"صافي إيرادات متوقعة للدولة يفوق 376 مليار دولار".
على الورق تبدو الأرقام مبهرة، لكنها تأتي في بلد لم يعرف استقرارًا سياسيًا أو أمنيًا منذ 2011، وقطاع نفطي يعيش على وقع الإغلاقات، والمليشيات، والاصطفافات الإقليمية المتضاربة. السؤال الجوهري: هل نحن أمام إنقاذ حقيقي لاقتصاد ليبيا، أم أمام رهنٍ طويل الأمد لثرواتها لصالح كارتل دولي – محلي جديد؟
استثمار قياسي على الورق.. وقطاع نفطي هش ومضطرب
الاتفاق الجديد يستند إلى واقع إنتاج حالي يتراوح – بحسب مسؤولي المؤسسة الوطنية للنفط – بين 1.3 و1.4 مليون برميل يوميًا، مع طموح معلن للوصول إلى 2 مليون برميل يوميًا عبر جولات استكشاف وإنتاج جديدة، كان آخرها طرح 22 منطقة أمام الشركات العالمية في أول مزايدة منذ أكثر من 17 عامًا.
شركة الواحة نفسها، التي تشكل محور الاتفاق، تنتج عادة بين 340 و400 ألف برميل يوميًا في الظروف الاعتيادية، وفقًا لمصادر الشركة؛ ما يعني أن الحديث عن إضافة 850 ألف برميل يوميًا خلال الاتفاق يشير إلى توسع هائل في البنية التحتية والإنتاج يتطلب استقرارًا طويل الأمد لم تعرفه ليبيا منذ أكثر من عقد.
لكن الواقع الميداني يروي قصة أخرى: أكبر حقل نفطي في البلاد، الشرارة، بسعة إنتاج تقارب 300 ألف برميل يوميًا، تعرض في يناير 2024 للإغلاق بعد اقتحامه من محتجين بسبب أزمات الوقود والخدمات، في نموذج متكرر لتحول الحقول إلى أوراق ضغط اجتماعية وسياسية تغلق وتفتح بقرار من مجموعات مسلحة أو حراكات محلية.
في هذا السياق، تبدو وعود الزيادة الضخمة في الإنتاج مرتبطة بسلسلة من "الافتراضات المثالية":
• استقرار أمني طويل المدى في مناطق الحقول وخطوط الأنابيب.
• غياب الإغلاقات القسرية بدوافع سياسية أو قبلية.
• قدرة فنية ومؤسسية على تنفيذ مشاريع معقدة في بيئة هشّة.
من دون هذه الشروط، تتحول وعود الـ850 ألف برميل إضافية، والـ376 مليار دولار، إلى مجرد أرقام دعائية لا تعكس هشاشة الواقع على الأرض.
صفقة 25 عامًا في ظل دولة منقسمة ومؤسسات متنازعة
الخطر الأكبر في اتفاق يمتد ربع قرن ليس فقط حجمه، بل توقيعه في ظل انقسام حاد: حكومتان متنافستان في الشرق والغرب، وبرلمان في طبرق لا يعترف بشرعية حكومة الدبيبة، ومؤسسة نفطية تتعرض باستمرار لضغوط وتجاذبات من أطراف محلية وإقليمية.
على مدار السنوات الماضية، أحجمت شركات كبرى عن العودة بكثافة إلى ليبيا لأسباب واضحة:
• عدم وضوح الشرعية لأي اتفاق طويل الأمد في ظل حكومات متغيرة وصراعات على الاعتراف الدولي.
• سجل متكرر من تعطيل الإنتاج عبر إغلاقات حقول وموانئ نفطية لأسباب سياسية أو مالية.
عودة أسماء ثقيلة مثل توتال وكونوكو فيليبس لمشهد الاستثمارات الضخمة تعني أن هذه الشركات حصلت على ضمانات سياسية وإقليمية تتجاوز الحكومة الحالية نفسها، وتراهن على استمرار نفوذ شركائها المحليين لعقود. وهذا يطرح أسئلة حادة:
• من يملك حق توقيع اتفاقات تمتد لـ25 عامًا في بلد لم يستقر فيه شكل الدولة بعد؟
• وهل يمكن لأي سلطة منتخبة مستقبلًا أن تراجع أو تعيد التفاوض على هذه العقود، أم سنواجه "اتفاقات محصنة" باسم حماية الاستثمار الأجنبي؟
عمليًا، هناك خشية حقيقية من أن تتحول هذه الصفقات إلى قيود قانونية وسياسية تكبّل أي مشروع وطني مستقل لإدارة الثروة النفطية، وتُستخدم سيفًا مصلتًا على أي سلطة جديدة تفكر في إعادة التوزيع العادل للعوائد.
376 مليار دولار… عائدات للشعب أم ريع جديد لشبكات الفساد؟
الرقم الذي جرى الترويج له – صافي إيرادات يفوق 376 مليار دولار خلال مدة الاتفاق – يبدو مصاغًا بعناية لتسويق الصفقة للرأي العام كمنقذ للاقتصاد، لكن من دون كشف معادلات التسعير، أو نسب تقاسم الربح، أو سيناريوهات الأسعار العالمية للنفط، أو حصة كل طرف في الاستثمار والعائد.
التجربة الليبية – والعربية عمومًا – مع العقود الكبرى تقول إن السؤال الحقيقي ليس "كم سيدخل إلى الخزانة العامة؟"، بل:
• كيف ستُدار هذه الأموال؟
• ومن يراقب عقود الخدمات والشركات الوسيطة والتوريد والمقاولين من الباطن؟
في بلد يعاني من فساد عميق، وغياب شفافية حقيقية، وضعف برلمان رقابي، تصبح عقود بمليارات الدولارات على مدى 25 عامًا بيئة مثالية لتكوين شبكات مصالح مغلقة تربط بين جزء من النخبة السياسية والعسكرية ورؤوس أموال محلية وخارجية.
المؤسسة الوطنية للنفط تسعى – ظاهريًا – لزيادة الإنتاج وجذب الاستثمار، لكن من دون:
• نشر العقود الكاملة للرأي العام.
• إخضاعها لرقابة قضائية وبرلمانية حقيقية.
• ربط أي إنفاق من عوائد النفط بموازنات معلنة ومشروعات تنموية شفافة في الصحة والتعليم والبنية التحتية.
من دون ذلك، سيبقى احتمال أن تتحول مليارات النفط إلى قصور، وحسابات خارجية، وتمويل صراعات داخلية احتمالًا أكبر من أن تُترجم إلى تحسين حياة الليبيين الذين يعيش كثير منهم تحت خط الفقر في بلد من أغنى بلدان إفريقيا نفطيًا.
في المحصلة، اتفاق الـ20 مليار استثمار و376 مليار "عوائد متوقعة" يمكن أن يكون فرصة لإنعاش اقتصاد مدمَّر، لكنه في الظروف الحالية – دولة منقسمة، سلاح منفلت، وغياب حوكمة – أقرب إلى رهن طويل الأمد لثروة ليبيا لصالح تحالف جديد بين شركات الطاقة الكبرى وشبكات السلطة المحلية.
النفط كان دائمًا نعمة ونقمة على ليبيا؛ وما لم تُحسم أولًا معركة بناء دولة قانون ومحاسبة، ستظل كل "بشائر" الاستثمار مرشحة لأن تتحول إلى فصل جديد في قصة استنزاف بلدٍ غنيٍّ يسكنه شعب منهك.

