لم تعد مصر، في عيون كثير من اللاجئين السوريين وغيرهم، «بلد عبورٍ آمن» أو «ملجأً إنسانيًّا»، بل تحوّلت – بشهادة عشر منظمات حقوقية – إلى مصيدة قانونية وأمنية تدفع اللاجئين دفعًا إلى الرحيل تحت التهديد والخوف.
منظمات مثل الجبهة المصرية لحقوق الإنسان والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمفوضية المصرية للحقوق والحريات ومنصة اللاجئين في مصر تحذر بوضوح من ما تسمّيه «سياسة ترحيل مُقنَّع»، تُنفَّذ عبر قرارات إدارية مفاجئة، وحملات توقيف واحتجاز وتعهدات بـ«مغادرة قسرية»، في انتهاك صريح للدستور المصري وللقانون الدولي ولمبدأ عدم الإعادة القسرية.
هذه ليست مجرد «شدّة في تطبيق قوانين الإقامة» كما تحاول السلطات أن تصوّرها، بل عملية مُمَنهَجة لتحويل مئات الآلاف من اللاجئين من مقيمين «قانونيين» إلى «مخالفين» مطاردين، ثم استخدام هذا الوضع المصنَّع كذريعة لطردهم خارج البلاد، في لحظة إقليمية مشحونة بخطاب معادٍ للأجانب وسوريين على وجه الخصوص.
من «تنظيم الإقامة» إلى سياسة طرد جماعي مقنّعة
المنظمات العشر تدق ناقوس الخطر: ما يجري لم يعد يحتمل التخفيف أو التبرير.
فمنذ 2024، بدأت السلطات بإلغاء أو تعطيل تجديد الإقامات السياحية، وتشديد شروط الإقامة، وربطها بمسارات محدودة وصعبة: التسجيل لدى مفوضية اللاجئين، الدراسة، الاستثمار… مع فتح «مسار تقنين» مهين يتطلب دفع ألف دولار أو ما يعادلها، وإثبات وجود «مستضيف مصري»، في صيغة وصفتها منصة اللاجئين سابقًا بأنها «استغلال من منظور عقابي» يخالف القانون ولا يحقق غرضًا حقيقيًّا إلا الضغط والإذلال.
النتيجة المباشرة كانت دفع عشرات الآلاف من السوريين وغيرهم إلى حالة «عدم انتظام» قانوني مفروضة عليهم قسرًا:
- مواعيد تجديد أوّل إقامة أو حجز دور في مصلحة الجوازات قد تمتد لعام أو عامين.
- وثائق مؤقتة لا تعترف بها جهات التنفيذ عند أول حملة تفتيش.
- لاجئون يحاولون الالتزام بطلبات الدولة، لكن الدولة هي من تغلق في وجوههم أبواب الالتزام.
ثم تأتي المرحلة الثانية من الخطة: استغلال هذا «الفراغ القانوني المصنَّع» لتبرير حملات أمنية واسعة في القاهرة والجيزة والإسكندرية والغردقة، حيث تُنصب الكمائن في الأحياء المعروفة بتجمعات السوريين، ويُوقَف الناس من الشارع ومحل العمل ومن البيوت، فقط لأن إقامتهم انتهت أو لأنهم لا يحملون جوازات سفرهم في تلك اللحظة.
كثيرون منهم مسجَّلون لدى المفوضية ويحملون ما يثبت أنهم في طور تقنين أوضاعهم، لكن ذلك لا يشفع لهم.
بهذا الشكل، تتحول الدولة من طرف يُفترض أن يُيسِّر التقنين إلى طرف يُنتِج «المخالفة» بقراراته، ثم يعاقب ضحاياه بالتوقيف والاحتجاز والتهديد بالإبعاد، في خرق فج لمبدأ قانوني وإنساني بسيط: لا تُعاقِب الناس على وضعٍ أنت من فرضته عليهم.
احتجاز إداري مفتوح وترحيل تحت التهديد: كسر فاضح لمبدأ عدم الإعادة القسرية
البيان المشترك يصف بالتفصيل نمطًا خطيرًا من الانتهاكات: في كثير من الحالات، تقرر النيابة العامة إخلاء سبيل المحتجزين لعدم وجود جريمة حقيقية – فالانتظار لتسوية الإقامة، رغم عدم انتظامه شكليًّا، وضع يمكن تصويبه ولا يستدعي سجنًا.
لكن ما يحدث فعليًّا شيء آخر تمامًا؛ إذ يُبقي الأمن الوطني أو الجوازات والهجرة على اللاجئين في احتجاز إداري مفتوح، بلا سند قضائي واضح، ويُطلب من بعض العائلات حجز تذاكر سفر لبدء إجراءات الإبعاد القسري.
هذا السلوك يضرب في الصميم مبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-Refoulement)، وهو قاعدة عرفية ملزمة في القانون الدولي، تمنع إعادة أي لاجئ أو طالب لجوء إلى بلدٍ يواجه فيه خطر الاضطهاد أو التعذيب أو الخطر الجسيم.
المنظمات الحقوقية تؤكد أن الامتناع التام عن أي قرارات إبعاد في ظل استمرار المخاطر في بلد الأصل ليس «رفاهية حقوقية»، بل التزام قانوني على مصر أن تحترمه إن أرادت أن تُعامل كدولة مسؤولة.
لكن ما يجري اليوم يدفع في الاتجاه المعاكس تمامًا:
- تجريم فعلي لوضع الإقامة حتى عندما تكون الدولة هي من عطّل مسارات التقنين.
- استخدام الاحتجاز الإداري كأداة ابتزاز لدفع اللاجئين وأُسرهم إلى القبول بـ«المغادرة طواعية» هربًا من السجن المفتوح.
- خنق الدور العملي للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، عبر منعها أو تقييد قدرتها على الوصول لكل المحتجزين، وحرمان هؤلاء من المشورة القانونية ومن حق الطعن الفعلي على قرارات الإبعاد قبل تنفيذها.
ما تسميه السلطات «تنظيمًا» و«ضبطًا» للإقامة هو، وفق المنظمات العشر، تجريد منهجي للاجئين من أي حماية قانونية، وتحويلهم إلى أوراق ضغط ومادة لمساومات سياسية واقتصادية مع القوى الإقليمية والدولية.
صناعة خوف وخطاب كراهية: من اللاجئ «ضيفًا» إلى اللاجئ «خطرًا»
البيان لا يتوقف عند الإجراءات القانونية والأمنية، بل يربطها بسياق أوسع من تصعيد في الخطاب المعادي للأجانب داخل مصر. اللاجئون، وخصوصًا السوريين، لم يعودوا يُقدَّمون كضحايا حرب وديكتاتورية، بل كـ«عبء» على الاقتصاد، و«منافس» للمصري على لقمة العيش، بل أحيانًا كـ«تهديد أمني» محتمل.
هذا الخطاب ليس بريئًا ولا عفويًّا؛ إنه الأرضية النفسية التي تُمهِّد لتقبُّل الانتهاكات:
- حين يقتنع جزء من الرأي العام بأن السوري «أخذ رزقنا»، يصبح التضييق عليه «عدالة اجتماعية».
- حين تُصوَّر الزيادة السكانية واللاجئون كسبب وحيد للأزمة الاقتصادية، يُغتَسَل النظام من مسؤولية الفشل والديون والتبعية.
- حين يُشيطَن اللاجئ في الإعلام، تتراجع حساسية المجتمع لأي خبر عن حملات تفتيش أو احتجاز أو ترحيل.
المنظمات الحقوقية تقول بوضوح إن «التصعيد ضد السوريين لا يمكن فصله عن هذا المناخ»، وإن الدولة – بصمتها أو بتشجيعها الضمني – تسمح بتحويل اللاجئين إلى شماعة يعلّق عليها الفشل الداخلي، بدلًا من الاعتراف بجذور الأزمة في السياسات الاقتصادية والفساد والاستبداد.
إن كانت مصر تريد أن تحترم دستورها – الذي يتحدث عن الالتزام بالمواثيق الدولية وكرامة الإنسان – فعليها أن توقف فورًا هذه الحملة المنظمة، وأن تعود إلى الحد الأدنى من منطق الدولة:
- مسارات تقنين عادلة وواضحة، لا فخاخ مالية وأمنية.
- رقابة قضائية حقيقية على أي احتجاز متصل بالهجرة واللجوء.
- تمكين كامل للمفوضية والأطراف المستقلة من الوصول للمحتجزين.
- وقف فوري لكل قرارات الإبعاد في ظل المخاطر الجسيمة في بلدان الأصل.
أما الاستمرار في سياسة «الترحيل المقنّع»، فهو لا يعني فقط خيانة السوريين وغيرهم ممن ظنوا أن مصر ملجأ، بل هو أيضًا طعنة لسمعة البلد وخرق صريح للقانون الدولي، يضع السلطة في خانة من يتعامل مع البشر كأرقام يمكن شطبها، لا كأرواح لها حق النجاة والحياة الكريمة.

