تكشف رسالة مسرّبة من داخل سجن الوادي الجديد، المعروف إعلاميًا بـ«سجن الموت»، عن واقع إنساني بالغ القسوة يعيشه المعتقلون، في ظل إجراءات تعسفية وممارسات ممنهجة تُعرّض حياتهم لخطر حقيقي، وسط بردٍ قارس، وتجويع، وغياب شبه كامل للرعاية الصحية، في سجن يقع في قلب الصحراء بعيدًا عن أي رقابة فعّالة.
وبحسب الرسالة التي حصلت عليها جهات حقوقية، فإن المعتقلين يواجهون ظروف احتجاز غير إنسانية، تتناقض بشكل صارخ مع الدستور المصري والقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، فضلًا عن الالتزامات الدولية لمصر في مجال حقوق الإنسان.
برد قاتل بلا أغطية
أوضح المعتقلون أن إدارة السجن تحرمهم عمدًا من الأغطية والملابس الشتوية اللازمة، رغم الانخفاض الشديد في درجات الحرارة، خاصة خلال ساعات الليل.
وتتفاقم المعاناة بسبب طبيعة الزنازين غير المؤهلة، التي تسمح بتسرّب الهواء البارد مباشرة إلى أماكن الاحتجاز، في ظل غياب أي وسائل تدفئة، ما يحوّل الزنازين إلى غرف مفتوحة على البرد، ويُعرّض المحتجزين، لا سيما كبار السن والمرضى، لمخاطر صحية جسيمة قد تصل إلى الوفاة.
ويؤكد المعتقلون أن البرد لم يعد مجرد معاناة يومية، بل أصبح أداة عقاب جماعي، تُستخدم لإرهاق الأجساد وكسر الإرادة، في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الآدمية.
سياسة تجويع ممنهجة
وتتضمن الرسالة شكاوى متكررة من اتباع إدارة السجن سياسة تجويع واضحة، حيث تُصرف للمعتقلين كميات ضئيلة جدًا من الطعام، لا تلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية اليومية، سواء من حيث الكم أو القيمة الغذائية.
كما أشار المعتقلون إلى القيود المشددة على إدخال الأطعمة خلال الزيارات، إذ تُمنع معظم الأصناف، وإن سُمح بإدخال بعضها، يكون ذلك بكميات محدودة للغاية، بما يحرم المحتجزين من أي بدائل تخفف من وطأة سوء التغذية المستمر.
تفتيش عقابي وتجريد من المتعلقات
ولا تقتصر الانتهاكات على البرد والجوع، بل تمتد إلى التفتيش المتكرر والتعسفي، الذي يترافق في كثير من الأحيان مع التجريد من الأمتعة والمتعلقات الشخصية الضرورية، في إطار ما يصفه المعتقلون بسياسة عقاب يومية تهدف إلى التضييق والإذلال، دون أي سند قانوني.
إهمال طبي في سجن معزول
على الصعيد الصحي، ترسم الرسالة صورة قاتمة لوضع الرعاية الطبية داخل السجن. إذ يعاني المعتقلون من غياب شبه تام للخدمات الصحية، وافتقار مستشفى السجن لأدنى معايير السلامة والتجهيزات الطبية، مع توافر خدمات محدودة لا ترقى للتعامل مع الحالات المرضية المتزايدة.
وتتهم الرسالة إدارة السجن بالتعنت في تحويل المرضى إلى المستشفيات الخارجية، رغم خطورة بعض الحالات، بحجة بُعد المسافة، في حين أن الموقع الصحراوي المعزول للسجن لا يمكن أن يُستخدم ذريعة قانونية أو إنسانية لحرمان المحتجزين من حقهم في العلاج والرعاية الطبية المناسبة.
مسؤولية قانونية وتحذير من كارثة
تحذّر الجهات الحقوقية من أن استمرار هذه الأوضاع يُنذر بكارثة إنسانية، ويضع حياة المعتقلين على حافة الخطر، محمّلةً وزارة الداخلية، ومصلحة السجون، والقائمين على إدارة سجن الوادي الجديد، المسؤولية الكاملة عن حياة وأمن وسلامة جميع المحتجزين، سواء من المعتقلين أو السجناء الجنائيين.
مطالب عاجلة
وفي هذا السياق، تطالب الشبكة المصرية حقوق الإنسان ومركز الشهاب لحقوق الإنسان وعدد من المنظمات الحقوقية بـ:
التوفير الفوري للأغطية والملابس الشتوية والمستلزمات الأساسية، ووقف سياسة التجويع، والالتزام بتقديم وجبات غذائية كافية صحيًا وكمّيًا، والسماح للأهالي بإدخال الطعام والمستلزمات دون قيود تعسفية، وإنهاء ممارسات التفتيش العقابي والتجريد من المتعلقات الشخصية، وتوفير رعاية طبية حقيقية داخل السجن، ونقل الحالات الحرجة إلى مستشفيات خارجية دون تأخير.
كما تطالب الجهات الحقوقية النائب العام بإرسال فريق من وكلاء النيابة لإجراء تفتيش جاد وحقيقي على سجن الوادي الجديد، والوقوف ميدانيًا على أوضاع الاحتجاز وظروف المعيشة والصحة داخل السجن، ضمانًا لعدم إفلات المسؤولين عن هذه الانتهاكات من المساءلة.

