رغم مرور أكثر من عقد على خروج محمد أبو تريكة من المشهد المصري، رياضيًا وسياسيًا وإعلاميًا، يصرّ الإعلام الموالي لسلطة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، على إبقاء اسمه حاضرًا في دائرة الهجوم والتشويه.

فالرجل الذي لم يعد له أي نشاط داخل مصر، لا يزال يُستدعى دوريًا على شاشات الفضائيات في سياقات سياسية بحتة، كما جرى في اللقاء التلفزيوني الأخير الذي جمع أحمد موسى ومحمد الباز ونشأت الديهي، حيث تحوّل النقاش من تحليل واقع البلاد إلى إعادة فتح ملف لاعب معتزل يعيش خارج الحدود منذ سنوات.

 

هذا الإصرار على استدعاء اسم أبو تريكة، دون جديد قانوني أو سياسي أو ميداني، يطرح سؤالًا مشروعًا: هل يخشى النظام رمزية لاعب كرة ما زال يحتفظ بمكانة خاصة في قلوب ملايين المصريين والعرب؟ أم أن فتح هذا الملف المتكرر يعكس مأزقًا أعمق يتعلق بعجز السلطة عن تفكيك رموز مستقلة لا تتحرك تحت سقفها؟

 

استدعاء قديم في لحظة مأزومة

 

اللافت في الهجوم الأخير أنه لم يقدّم أي معطيات جديدة، بل أعاد تدوير نفس الرواية الرسمية التي تكررت منذ 2013: أبو تريكة "صاحب موقف سياسي واضح"، "انحاز لجماعة الإخوان"، "استغل شعبيته للتأثير على الناس"، و"رفض التبرؤ من الجماعة"، وصولًا إلى الحديث عن "أمن قومي" و"إجراءات قانونية" لتبرير التحفظ على أمواله وخروجه من البلاد.

 

هذه اللغة ليست تحليلًا بقدر ما هي محاولة لتثبيت سردية سياسية واحدة: أن اللاعب لم يخرج من مصر كضحية استهداف سياسي، بل بسبب "اختياراته".

لكن توقيت فتح الملف، في ظل أزمات اقتصادية خانقة، واحتقان اجتماعي متصاعد، وعجز واضح عن تقديم نماذج رياضية أو رمزية تحظى بتوافق شعبي واسع، يجعل كثيرين يرون في هذه الحملة نوعًا من "إلهاء محسوب"؛ إعادة تدوير خصم قديم لإشغال الرأي العام عن خصوم حقيقيين: الغلاء، الديون، وانسداد الأفق السياسي.

 

حين يُستدعى أبو تريكة اليوم، فإن الرسالة الضمنية ليست موجهة إليه بقدر ما هي موجهة لجمهوره: لا قدسية ولا حصانة لأحد، وكل رمز شعبي يمكن تشويهه إذا تجاوز حدود "النسخة المسموح بها" من الوطنية كما تراها السلطة.

 

من نجم جماهيري إلى "خطر رمزي" في خطاب السلطة

 

أخطر ما تكشفه تصريحات أحمد موسى ومحمد الباز ونشأت الديهي هو محاولة تحويل أبو تريكة من لاعب كرة محبوب إلى "خطر رمزي" على الدولة.

فبدل الاعتراف بأنه نجم كروي صاحب شعبية هائلة اتخذ مواقف سياسية لا تُعجب السلطة، يُعاد تقديمه باعتباره "ملف أمن دولة"، وبأن التعاطف معه يعكس "خللًا في الوعي العام".

 

أحمد موسى يربط خروجه من مصر وتحفظ الدولة على أمواله بـ"اختيارات سياسية واضحة" و"رفضه التبرؤ"، بينما يؤكد محمد الباز أن القضية "ليست رياضية ولا عاطفية"، بل قضية "أمن دولة" لا يجوز التعامل معها بمنطق الشعبية، في حين يذهب نشأت الديهي إلى اتهام الرأي العام نفسه، معتبرًا أن استمرار التعاطف مع أبو تريكة دليل على مشكلة في وعي الناس، وأن الرجل "نموذج لشخصية جرى توظيفها سياسيًا ورفضت مراجعة مواقفها".

 

بهذا الخطاب، لا يصبح أبو تريكة مجرد لاعب مختلف سياسيًا، بل يتحول إلى نموذج تحذيري: أي رياضي يخرج عن الخط الرسمي يمكن أن يُعامل بنفس الطريقة.

وفي المقابل، تسعى السلطة عبر أذرعها الإعلامية إلى تكريس نموذج "النجم الآمن": لاعب أو فنان بلا رأي سياسي، أو صاحب رأي واحد متطابق مع الرواية الرسمية.

 

هذا السلوك يكشف عمق أزمة السلطة مع كل رمز جماهيري مستقل؛ فالمشكلة ليست في شعبيته الكروية، بل في أنه لم يقبل أن يُعاد تشكيل صورته بما يناسب خطاب الدولة، ولم يدخل في صفقة "غفران سياسي" مشروطة بتبرؤ علني أو اعتذار مكتوب.

 

ملف لا يُغلق جماهيريًا: خوف من الرمز أم فشل في صناعة بديل؟

 

منذ إدراج اسم أبو تريكة على قوائم الإرهاب عام 2017، ثم شطب اسمه في مراحل لاحقة في بعض القضايا، ظل الملف القضائي يدور في حلقات، لكن الملف الجماهيري لم يُغلق أبدًا.

فالرجل، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مواقفه، ظل حاضرًا في وجدان جزء واسع من الشارع المصري والعربي كنموذج للاعب لم يساوم على قناعاته، ودفع ثمنها من حريته وحياته في بلده.

 

هذا الحضور الرمزي يفسر، في نظر كثيرين، لماذا تصر الأذرع الإعلامية على إبقاء النار مشتعلة حول اسمه: وجود رمز مستقل وواسع الشعبية، خارج سيطرة السلطة وخارج حدودها الجغرافية، يذكّر الناس بإمكانية الاختلاف، ويقدّم نموذجًا بديلًا عن صورة الرياضي "المطيع" التي تريدها السلطة.

 

في المقابل، فشلت الحملات المتكررة في تفكيك هذه الرمزية؛ فلا التشويه نجح في محو رصيده لدى جمهوره، ولا الاتهامات الفضفاضة استطاعت تقديم أدلة جديدة تقنع الرأي العام بأن الرجل "خطر حقيقي" على الدولة، خاصة أنه بعيد تمامًا عن أي تنظيم سياسي أو نشاط داخلي.

 

لذلك يبدو أن السؤال الحقيقي ليس: هل يخشى النظام شخص أبو تريكة؟ بل: هل يخشى نموذجًا رمزيًا يجمع بين الشعبية والالتزام بقضية، ويرفض الخضوع لصيغة "الندم العلني" التي تُفرض على كل من يريد العودة إلى حضن السلطة؟

 

ربما لهذا السبب بالذات لا يُسمح للملف أن يُدفن؛ فاستمرار الحديث عنه يمنح الإعلام الموالي مادة جاهزة لإعادة تعريف "المقبول" و"المرفوض" في المجال العام، ويمنح سلطة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي فرصة لتذكير الجميع بأن الثمن قد يكون باهظًا إذا قرر أحدهم أن يجمع بين حب الجماهير وجرأة الموقف.

وفي ظل هذا كله، يظل اسم أبو تريكة حيًا في الضمير الشعبي، بصمت من اختار أن يبتعد عن الصخب، وبضجيج سلطة لا تزال حتى اليوم تخشى أن يظل رمزًا لا تملكه.