- إسماعيل السهيلي: تحولات ديسمبر 2025 أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري اليمني
- أحمد الزنداني: المرحلة الحالية تفرض بناء دولة يمنية ذات سيادة تتبنى مشروعًا وطنيًا جامعًا
- نبيلة سعيد: الإعلام تحول إلى ساحة صراع موازية تتصارع فيها الأجندات المحلية والخارجية
- ياسين التميمي: هناك سرديات للاعبين إقليميين تحاول إثبات أن اليمن مساحة لنشاط إرهابي
رسم خبراء وسياسيون ملامح مرحلة جديدة وحاسمة في الملف اليمني، مؤكدين أن البلاد تقف أمام "بارقة أمل" حقيقية ناتجة عن تقاطع المصالح الإقليمية والدولية، معتبرين أن التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة منذ ديسمبر 2025 تمثل نقطة تحول جذري نحو استعادة سيادة الدولة وتفكيك مشاريع التجزئة.
جاء ذلك خلال ندوة معمقة نظمها مركز إنسان للدراسات الإعلامية في إسطنبول، بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات الاستراتيجية، الخميس 15 يناير 2026.
شهدت الندوة، التي أدارتها مي الورداني، مديرة مركز "إنسان"، نقاشات مستفيضة حول إعادة تشكيل المشهد اليمني، وتأثير المتغيرات الجيوسياسية على أمن الطاقة، ودور الإعلام في الصراع، وسط حضور لافت لنخبة من المحللين وممثلي المؤسسات الإعلامية.
تحولات ديسمبر 2025
استهل الدكتور إسماعيل السهيلي، المحلل السياسي والباحث في "مركز المخا للدراسات" حديثه باستعراض المسار التاريخي للأزمة، مؤكداً أن اليمن شهد منذ ديسمبر 2025 تحولات جوهرية أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري، في سياق مسار بدأ بتدخل التحالف العربي عام 2015 بقيادة المملكة العربية السعودية ومشاركة دولة الإمارات، بهدف إنهاء انقلاب جماعة الحوثي واستعادة الشرعية، إلا أن مرحلة ما بعد تحرير عدن وجنوب اليمن كشفت عن تباينات متنامية داخل التحالف، حيث رسخت الإمارات حضورها في السواحل والموانئ والجزر اليمنية على طول الساحل اليمن من الحدود العمانية شرقا وحتى باب المندب غربا، وصارت أبعد عن تحقيق أهداف التحالف وداعم لانفصال جنوب اليمن.
وأضاف السهيلي أن ذلك الوضع بلغ ذروته في اجتياح المجلس الانتقالي لحضرموت وصولا لتخوم الحدود السعودية بدعم إماراتي واضح، وقد مثل ذلك مرحلة فارقة، فالسعودية تعتبر حضرموت وشرق اليمن مسألة أمن قومي، بوصفها العمق الجنوبي للمملكة وحدودا برية طويلة، ومنطقة عازلة تاريخيا ضد الغزوات، إضافة إلى أهميتها كممر بحري بديل يعزز أمن الطاقة في حال حدوث اضطرابات في مضيق هرمز.
وفي هذا الإطار، ترفض الرياض أي مسارات تهدد وحدة اليمن أو تنتج كيانات محلية مرتهنة خارجيا تضر بأمنها القومي، وتتعامل مع أي وجود عسكري أو استخباراتي معادٍ قرب حدودها الجنوبية كخط أحمر، وهو ما يفسر الضربة الجوية في ميناء المكلا بحضرموت على شحنة أسلحة إماراتية، وإنهاء الوجود الاماراتي في اليمن.
وأشار إلى أن هذه التحولات أدت إلى إعادة تشكيل المشهد العسكري عبر إقالات وتعيينات واسعة قام بها رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، وانتشار قوات درع الوطن والقوات الحكومية في مناطق كان يسيطر عليها المجلس الانتقالي، وتشكيل لجنة عسكرية عليا لتوحيد مختلف التشكيلات المسلحة، وكذلك حل المجلس الانتقالي لنفسه، وبما يعكس توجهًا نحو استعادة مركزية القرار العسكري والأمني، وتقليص نفوذ الفواعل غير النظامية، كما تم اتخاذ إجراءات حقوقية وإدارية هدفت إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، بوصفها المدخل الأساسي لاستعادة القرار السيادي اليمني بشكل تدريجي وتراكمي.
تقاطع المصالح .. بارقة أمل
ومن جانبه تطرق الدكتور أحمد الزنداني، المحلل السياسي، إلى الحديث عن الفرصة التي لاحت لليمن لحلحلة أزمتها المعقدة والتي نتج عنها التطورات الأخيرة في اليمن، مؤكدا أن المتغيرات الإقليمية والدولية الأخيرة جاءت كبارقة أمل لليمن، حيث بات من الممكن استثمار تقاطع المصالح بين اليمن من جهة، والقوى الإقليمية والدولية من جهة أخرى، للخروج من حالة الانسداد السياسي والصراع الممتد.
أضاف: "يأتي هذا التقاطع نتيجة تحولات في موازين القوى الدولية، خصوصًا مع بروز الدورين الصيني والروسي في تحدي الهيمنة الأمريكية، ما دفع الولايات المتحدة إلى مراجعة استراتيجياتها والانتقال نحو دعم حكومات مستقرة وقابلة للتفاهم بدلًا من سياسات الفوضى السابقة"، مشيرًا إلى أن "لهذه التحولات انعكاساتها في عدد من الملفات الإقليمية على رأسها سوريا".
وتابع: "على الصعيد الإقليمي حدثت تحولات لافتة، خاصة لدى المملكة العربية السعودية، التي باتت أكثر وعيًا بخطورة المشاريع التي تهدد أمنها القومي ووحدة المنطقة، بعد أن خرجت بعض التحالفات السابقة عن الأطر المتفق عليها، وبدأت تتقاطع مع مشاريع إقليمية ودولية معادية لمصالحها...وقد انعكس هذا الإدراك في تغيير السياسات السعودية، وضبط إيقاع التحركات الإقليمية في ملفات اليمن والسودان ومصر، إضافة إلى تفاعلها مع الرسائل الدبلوماسية التركية في هذا السياق".
وقال: "داخليًا، أسهمت هذه المتغيرات في تعزيز فرص المشروع الوطني اليمني، لا سيما مع القرارات الأخيرة التي اتخذتها القيادة اليمنية بدعم إقليمي، والتي لاقت تفاعلًا إيجابيًا وفتحت نافذة أمل لإعادة ترتيب المشهد السياسي، ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، التي وصلت إلى مرحلة حرجة تستوجب معالجة سياسية واعية لتفادي العودة إلى مربع الانقسام، إلى جانب مخاطر تقليد نماذج سياسية مستوردة لا تنسجم مع الهوية العربية والإسلامية للمجتمع اليمني".
وفي ختام حديثه أكد "الزنداني" أن المرحلة الحالية تفرض العمل الجاد على بناء دولة يمنية ذات سيادة، تقوم على جيش وأمن موحدين، وتتبنى مشروعًا وطنيًا جامعًا يهدف إلى استعادة الدولة وحماية استقلال القرار اليمني.
الإعلام اليمني في زمن الحرب
فيما أشارت الدكتورة نبيلة سعيد، الصحفية اليمنية، إلى أن الإعلام في اليمن خلال سنوات الحرب لم يعد مجرد وسيطٍ ناقلٍ للخبر، بل تحوّل إلى ساحة صراع موازية، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، وتتصارع داخلها الأجندات المحلية والخارجية، ما أفضى إلى إضعاف الوظيفة الأساسية للعمل الصحفي بوصفه أداة لكشف الحقيقة وخدمة الصالح العام.
وفي ظل هذا الواقع المركّب، بات الخبر يعيش حالة طوفان دائم، ازدادت حدته مع استمرار الصراع لما يقارب أحد عشر عامًا، وتراجعت خلالها مساحات الاستقلال المهني إلى نطاقات ضيقة ومحدودة، الأمر الذي يفرض إعادة التفكير في بنية الإعلام اليمني ودوره ومسؤولياته.
أضافت:" يقف الصحفي اليمني في بيئة عمل شديدة الهشاشة أمام ثلاثة مسارات رئيسية: النضال من أجل الحقيقة، أو الاضطرار للامتثال لخطوط تحريرية مفروضة، أو التخادم مع أجندات محددة.
ويظل المسار الأول، وهو الأصل في العمل الصحفي، الأضعف حظًا في ظل غياب الحماية القانونية، وانعدام الأمان الوظيفي، وتردي الظروف المعيشية.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى توفير مظلة قانونية ومهنية تحمي الصحفي، وتعزز قدرته على العمل بحرية، بما يقلل من احتمالات الانزلاق نحو تزييف الوعي أو تحوير الوقائع تحت ضغط الخوف أو الحاجة".
وأكدت أن البنية العامة للوسائل الإعلامية اليمنية تعكس حالة واضحة من الاصطفاف، حيث باتت معظمها محسوبة على أطراف سياسية أو عسكرية أو شخصيات نافذة، ما أفقدها دورها كمساحة عامة محايدة.
وهذا الواقع يستدعي مراجعة عميقة لدور المؤسسات الإعلامية، وإعادة تعريف علاقتها بالسلطة والتمويل، عبر الفصل الممكن بين القرار التحريري والداعم المالي، واعتماد مواثيق شرف داخلية تُلزم العاملين وتحدّ من الانزلاق المهني، حتى في ظل واقع سياسي وأمني معقّد.
وأشارت نبيلة سعيد، إلى أن تعدد الأجندات الداخلية والخارجية أدّى إلى إنتاج سرديات إعلامية متباينة حول الأزمة اليمنية، انعكست على شكل خطاب متضارب ومشحون، أسهم في إرباك الرأي العام وإضعاف القدرة على قراءة المشهد بصورة منصفة وعادلة.
ومن هنا، تبرز أهمية الانتقال من خطاب التحشيد إلى خطاب التفسير والتحليل، وتفكيك السرديات المتصارعة بدل إعادة إنتاجها، مع توسيع مساحة الأصوات المدنية والمجتمعية التي غالبًا ما تُهمَّش لصالح خطاب الأطراف المتنازعة.
كما أكدت أن الانهيار الاقتصادي فرض واقعًا ضاغطًا على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، جعل من التمويل محددًا أساسيًا للقرار التحريري، وباتت الصحافة، في كثير من الحالات، تسير وفق ما يُطلب منها لا وفق ما يُفترض أن تُنجزه مهنيًا.
وفي هذا السياق، يصبح البحث عن نماذج تمويل بديلة ومستقلة نسبيًا ضرورة لا ترفًا، بما في ذلك المبادرات الإعلامية المجتمعية أو الصحافة التشاركية، إلى جانب تعزيز الشفافية في مصادر الدعم، لتقليل ارتهان المحتوى للأجندات المشروطة.
وحول سبل معالجة الواقع الإعلامي، أشارت إلى أن المشهد الإعلامي أفرز جملة من الظواهر السلبية، من بينها تصاعد التحشيد والتجييش، وتوظيف الإعلام في إذكاء الصراع وبناء شبكات مصالح، وانتشار التجييش الإلكتروني، إلى جانب التراجع الواضح لقيم العمل الصحفي المهني في مختلف أشكاله.
وفي مقابل ذلك، لا تزال هناك محاولات محدودة لصحافة مقاومة ومستقلة تسعى لإبراز المشهد السياسي بقدر من الوضوح، لكنها تعمل في ظروف خانقة.
ويستدعي هذا الواقع دعم هذه المبادرات، وتفعيل دور النقابات والهيئات المهنية المستقلة، والاستثمار في تدريب الصحفيين على الصحافة الأخلاقية في بيئات النزاع، بما يعيد للإعلام دوره بوصفه أداة مساءلة وبناء وعي، لا مجرد وقود للصراع.
واختتمت "سعيد" حديثها قائلة: "إن أزمة الإعلام في اليمن هي أزمة بنية وسياق أكثر منها أزمة أفراد، ومعالجة هذه الأزمة تتطلب إرادة جماعية تبدأ بحماية الصحفي، وتمر بإصلاح علاقة الإعلام بالتمويل والسلطة، ولا تنتهي عند إعادة توجيه الخطاب الإعلامي نحو خدمة المجتمع والحقيقة.
العمل الصحفي بين المهنية والاستقطاب
وفي إجابة على سؤال وجهته مديرة مركز "إنسان"، إلى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، ياسين التميمي: هل مازال هناك هامش للعمل المهني بعيدًا عن استقطاب العمل السياسي والمالي؟ أوضح أن الإشكالية في هذه المسألة أنه لا يمكن أن تتوفر إجابة قطعية ولكن هناك هامش يقع تحت تأثير كثير من التحديات هذا الهامش بطبيعة الحال مرتبط بقلة قليلة من المؤمنين بمبادئهم والذين يدركون حقيقة التحديات التي تواجه بلدهم، ومن الناس قلة قليلة يدركون أن هناك مؤامرة حقيقية وأن هناك صراعا واضحا على اختطاف الوطن وهنا لا أتحدث عن اليمن فقط وإنما أتحدث عن ظروف مشابهة في منطقتنا فهناك السودان، مصر، ليبيا، سوريا، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال وبشكل مباشر على السردية الحقيقية التي ينبغي أن تساق للناس عما يدور في هذا البلد أو ذاك.
وأضاف: "لكي نفصل في مسألة هل هناك هامش أم لا؟ في اليمن هناك صراحة هناك عدة سرديات، السردية الأولى هي سردية أن هناك انقلاب حدث على واحدة من أخطر عمليات الانتقال السياسي في المنطقة العربية، وهذه العملية شهد لها الجميع تقريبا، حتى أن الأمم المتحدة كانت متفاعلة معها إلى حد كبير لدرجة أن مجلس الأمن عقدة أول اجتماعاته من خارج المقرات الرسمية الأمريكية، هناك مقر في نيويورك ومقر في جنيف أحيانا مجلس الأمن الدولي يعقد بعض الاجتماعات في مقره لكن خارج هذين المقرين عقدت مرة واحدة في صنعاء عام 2012، كان هناك دعم كبير جدا للانتخابات.
تابع "التميمي" حديثه بالقول: "كذلك كان هناك توافق وطني في مرحلة الانتقال السياسي لكن في الحقيقة كان هناك سرديات أخرى تحاول أن توازي هذه السردية، هذه السرديات قام بها اللاعبون الإقليميون، والذين حاولوا أن يثبتوا فكرة أن اليمن هو مساحة لنشاط إرهابي وبالتالي فإنه لنجاح عملية الانتقال السياسي لابد من أن يحال دون تمكين الإرهابيين من الإمساك بزمام الأمور في اليمن أو أن تتفاقم أحداث الإرهاب، مشيرا إلى أن هذه الذريعة خبيثة جدا سمحت للمقاربات السيئة في اليمن بأن تتم بالطريقة التي رأيناها فيما بعد.
وفي إيضاح للدور الإماراتي، أشار إلى أن السردية الإماراتية كانت تهدف إلى أن يكون اليمن مجزأ وذلك لتحقيق هيمنة على المقدرات الاستراتيجية من خلال تجزئة اليمن وتقسيمه إلى شمال وجنوب، ولتحقيق هذه السردية ضخت الإمارات أموالا طائلة وجندت "ذبابا إلكترونيا" بأعداد كبيرة جدا لدعم هذه السردية، وطبعا هذه السردية ما كانت لتحقق انتصارا بالجانب الإعلامي فقط ولكن من خلال العمل الميداني ودعم الأدوات الخشنة التي أصبحت روافع للمشروع الاقتصادي والتي رأيناها فيما بعد تمتلك القدرة في السيطرة.
واستطرد "التميمي": ظلت هناك سردية محلية وهي بقايا صالح- وذلك في إشارة إلى أنصار الرئيس المخلوع على عبد الله صالح- الذين تجمعوا كقوة عسكرية في حرب اليمن، والذين ظلوا يتحدثون دائما عن أن المصير الكارثي الذي آل إليه حال اليمن كان سببه الإخوان المسلمون، وهذا ما حملته قوة الخطاب الإعلامي والسياسي.
وفي ختام حديثه أشار إلى أن السردية الحوثية هي من أكثر السرديات المراوغة التي تنافس المشروع الوطني، فهي تروج أنها تعمل على الحفاظ على الجمهورية اليمنية بينما في حقيقتهم مشروعهم الأساسي هو هدم الجمهورية اليمنية، مضيفا أن المشروع الحوثي مشروع عقائدي زيدي بكل وضوح.

