لم يكن تصريح أسامة الأزهري بشأن نعي المفكر الراحل مراد وهبة فعلًا عفويًا أو مجاملة إنسانية عابرة، بل جاء – وفق قراءة خبراء في الشأن الديني والسياسي – في سياق سياسي وفكري أوسع، تتحرك فيه الدولة المصرية لإعادة صياغة خطابها الديني بما يتواءم مع توجهات السلطة، وتحديدًا توجهات عبد الفتاح السيسي، الذي يقدّم نفسه منذ سنوات باعتباره صاحب رؤية “مدنية” منفتحة على حرية الاعتقاد، بما في ذلك الإلحاد.
هذا التوجه سبق أن عبّر عنه السيسي صراحة في تصريحات علنية، من بينها قوله: “من حق الملحدين التعبير عن رأيهم، حتى على قنوات التلفزيون”، وهو تصريح شكّل – بحسب خبراء – مظلة سياسية مهدت لخطوات لاحقة داخل المجال الديني والإعلامي، جعلت من الإلحاد موقفًا قابلًا للتطبيع الرمزي، لا مجرد رأي هامشي.
في هذا السياق، وصف أسامة الأزهري مراد وهبة قائلًا: “على المستوى الشخصي أُكِنُّ له منتهى التقدير والاحترام، والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة، عطاؤه العلمي والمعرفي يمتد من الستينيات، أو قبل ذلك، أي قرابة 60 سنة أو 70 سنة… مع انحياز واضح من زمن مبكر لموقف رافض الفكرة الدينية والفكرة الألوهية”.
وأضاف الأزهري أن موقف وهبة الرافض للدين والإله يعود إلى سنة 1948، معتبرًا أن له “نتاجًا علميًا محترمًا”، ومؤكدًا أن احترام المختلفين عقائديًا هو “المنهج العلمي” في مقابل ما وصفه بـ”المنهج الطائش النابع من الفكر السلفي”.
الاحترام أم الشرعنة: حدود الخطاب الديني الرسمي
نقل حساب “محمد الفاتح” مضمون حديث الأزهري، مؤكدًا أن الأخير قدّم مراد وهبة بوصفه “ملحدًا تبنّى موقفًا فلسفيًا معرفيًا منظمًا”، وأن إنكار وجود الله – وفق هذا الطرح – لا يمنع من الاحترام، بعكس ما يُنسب للتيار السلفي من غلظة في الخطاب والسلوك.
ويرى خبراء في الفكر الإسلامي أن هذا الخطاب لا يقف عند حدود “الاحترام الإنساني”، بل يتجاوزها إلى إضفاء شرعية رمزية على شخصية أعلنت عداءها الصريح للدين، وناصرت التطبيع الثقافي مع “الصهاينة”، وهو ما يجعل النعي – في نظرهم – خطوة غير مسبوقة تصدر من شخصية محسوبة على المجال الديني الرسمي.
ويشير الخبراء إلى أن الدولة المصرية تتبنى منذ سنوات خطابًا عامًا يقوم على إظهار نفسها كدولة “منفتحة” تحترم حرية الاعتقاد، حتى وإن كان ذلك على حساب الثوابت الدينية للمجتمع، وهو ما يفسر السماح بمؤتمرات علنية للإلحاد، مثل مؤتمر “تكوين” الذي عُقد في فندق بالهرم بحضور إبراهيم عيسى، وبتمويل نجيب ساويرس، في مناخ سياسي وإعلامي مهيأ لتطبيع هذه الأطروحات.
ضمن هذا المناخ، يُقرأ نعي أسامة الأزهري لمراد وهبة على أنه انسجام مع الخط العام للدولة، لا اجتهاد فردي معزول، خاصة أن وهبة كان يحظى بتكريمات رسمية في حياته، رغم مواقفه من الدين، ودعمه العلني للتطبيع، واعتباره قادة سياسيين مثل ترامب والسيسي “رسلًا” في خطابه.
أسئلة محرجة: لماذا يتسع القلب للملحد ويضيق بالموروث الإسلامي؟
أثارت خطوة الأزهري موجة تساؤلات حادة في الأوساط الدينية والفكرية. وتساءل خبراء وناشطون: إذا كان قلب أسامة الأزهري قد اتسع لمراد وهبة، بكل ما يحمله من إنكار صريح للدين وعداء للحضارة الإسلامية، فلماذا لم يتسع لذكر ابن تيمية في رسالة علمية داخل الأزهر؟
نقل ناشطون واقعة تعكس موقف وهبة العدائي من الأزهر نفسه، إذ حكى أحد خريجي دار العلوم أن مراد وهبة قال له صراحة: “دار العلوم والأزهر هما منبع الإرهاب”، وهو ما يطرح – بحسب خبراء – سؤالًا عن منطق نعي شخصية حملت هذا العداء الصريح للمؤسسة الدينية التي ينتمي إليها الأزهري اسميًا.
من جانبه، عبّر الدكتور حمزة زوبع عن دهشته من نعي الكنيسة ثم وزير أوقاف السيسي لشخصية ملحدة، مشيرًا إلى أن التقاليد الكنسية نفسها لا تجيز الصلاة على منكر للإله، متسائلًا عن معنى هذا التناقض، ولماذا يُنعى من لا يؤمن أصلًا بالدين.
ويرى خبراء في الشريعة أن العالم الشرعي، بحكم تكوينه، يجب أن يفرّق بوضوح بين الاحترام الإنساني والإشادة الفكرية، وأن نعي شخصية ذات موقف عدائي من الدين في لحظة سياسية مشحونة، لا يمكن فصله عن أثره الرمزي على الجمهور، خاصة في ظل مناخ تُفتح فيه المنصات الإعلامية للإلحاد، ويُضيق فيه الخناق على الخطاب الديني التقليدي.
ويخلص الخبراء إلى أن أسامة الأزهري يُنظر إليه باعتباره جزءًا من خطاب الدولة الديني الرسمي، خطاب لا يصطدم بالتيارات العلمانية، بل يسعى للتصالح معها، حتى لو كان ذلك على حساب وضوح الموقف الشرعي، وهو ما يجعل نعي مراد وهبة حلقة جديدة في مسار تطبيع ثقافي وفكري يتجاوز الأشخاص إلى إعادة تشكيل المجال الديني نفسه.
الخلاصة أن الجدل الدائر حول نعي أسامة الأزهري لمراد وهبة لا يتعلق بشخص الراحل وحده، بل يكشف عن تحوّل أعمق في خطاب الدولة الديني، تحوّل يرى خبراء أنه يسعى لشرعنة الإلحاد رمزيًا، وتقديم صورة “مدنية” للدولة، حتى لو جاء ذلك على حساب حساسيات المجتمع الديني، وحدود الخطاب الشرعي، وتأثير الكلمة في زمن بالغ الاضطراب.

