كشف الخبير التعليمي الدكتور تامر شوقي في القاهرة اختلافا جوهريا بين الثانوية العامة والبكالوريا في 3 شعب و4 مسارات و320 درجة مقابل 600 درجة، ففتح الباب أمام تنسيق جامعي مرتبك.

 

وبالتالي لم تعد القضية شرحا فنيا للطلاب الناجحين في الإعدادية، بل أزمة عدالة تعليمية تمس مستقبل الأسر، لأن الدولة تضع أبناءها أمام نظامين مختلفين ثم تعدهم بتكافؤ فرص غامض.

 

نظامان ومجموعان في سباق واحد

 

كما أن الثانوية العامة تضم 3 شعب، فإن البكالوريا تقوم على 4 مسارات، وهذا الاختلاف لا يضيف مرونة فقط، بل يخلق خريطة قبول جامعي معقدة تحتاج قواعد دقيقة لا بيانات مطمئنة.

 

لذلك يبدو الحديث عن تنسيق واحد عادلا في الشكل ومضطربا في الجوهر، لأن الطالب في الثانوية يحاسب على 5 مواد داخل المجموع، بينما طالب البكالوريا يحاسب على 6 مواد موزعة على عامين.

 

ومن ثم تظهر الفجوة الرقمية بوضوح، فمجموع الثانوية العامة 320 درجة، بينما مجموع البكالوريا 600 درجة، ومع اختلاف الوزن والعدد والزمن، يصبح قياس الطلاب بمنطق واحد وصفة للارتباك.

 

غير أن المشكلة الأعمق أن كل نظام ينتج نوعا مختلفا من الطالب، فالثانوية تحافظ على شعب تقليدية، بينما البكالوريا تدفع الطالب إلى اختيار مسار مبكر قد يغلق أو يفتح كليات لاحقا.

 

علاوة على ذلك، فإن اختيار النظام يبدأ من الصف الأول الثانوي، وهي سن مبكرة نسبيا في تحديد مصير جامعي، خصوصا في بيئة تعليمية لا توفر إرشادا مهنيا حقيقيا لكل الطلاب.

 

بناء على ذلك، تصبح حرية الاختيار المعلنة ناقصة إذا لم ترافقها معلومات واضحة ومكتوبة ومفهومة للأسر، لأن الطالب الفقير لا يملك رفاهية تجربة نظام ثم اكتشاف أثره عند التنسيق.

 

وفي هذا السياق، يرى الدكتور تامر شوقي أن اختلاف التخصصات والمواد والدرجات يجعل من المتوقع وجود تنسيق خاص بكل نظام، مع اختلاف الحدود الدنيا للكلية الواحدة بين الثانوية العامة والبكالوريا.

 

الكليات بين شعب قديمة ومسارات جديدة

 

إلى جانب اختلاف المجاميع، تظهر الأزمة عند أبواب الكليات، لأن الكليات المتاحة في النظامين ليست مجرد قائمة متطابقة، بل ترتبط بشروط ومسارات قد تربك الطالب عند الاختيار المبكر.

 

كما أن كلية الألسن متاحة لكل شعب الثانوية العامة، فإنها في البكالوريا ترتبط بمسار الآداب ودراسة اللغة الأجنبية الثانية، وهو فرق يغير قرار الطالب من الصف الأول قبل معرفة قدراته النهائية.

 

لزيادة الارتباك، تبدو كلية التجارة متاحة لكل شعب الثانوية العامة، لكنها غير متاحة لمسار الآداب في البكالوريا وفق التصورات المتداولة، ما يجعل المسار الأدبي الجديد أضيق من الشعبة الأدبية القديمة.

 

لذلك يصبح شعار المرونة محل اختبار حقيقي، فإذا كان الطالب ينتقل إلى نظام جديد ثم يكتشف أن بعض الكليات صارت مغلقة أمامه، فإن البكالوريا لا توسع الاختيار بل تعيد توزيع القيود.

 

ومن ثم تظل كليات الطب والصيدلة وما يشابهها مرتبطة بمسار الطب وعلوم الحياة، بينما تظل الهندسة والحاسبات والذكاء الاصطناعي مرتبطة بمسار الهندسة وعلوم الحاسب، بما يعمق التخصص المبكر.

 

غير أن التخصص المبكر داخل مدرسة تعاني من كثافة وعجز معلمين وضعف إرشاد يعني أن القرار لن يكون تربويا خالصا، بل غالبا قرار أسرة قلقة أو سنتر دروس أو شائعة منتشرة.

 

علاوة على ذلك، فإن وجود شروط لبعض الأقسام مثل علم النفس والجغرافيا يضيف طبقة جديدة من الغموض، لأن الطالب لا يحتاج معرفة الكلية فقط، بل يحتاج معرفة المسار والقسم والشرط مسبقا.

 

في المقابل، يؤكد الدكتور حسن شحاتة أن أي تطوير للتعليم لا ينجح دون وضوح وعدالة وقدرة على التطبيق داخل المدرسة، لأن النظام الجيد على الورق قد يتحول إلى عبء إذا غابت البنية.

 

تكافؤ الفرص على ورق القانون

 

أما المادة 25 مكررا من قانون التعليم فتتحدث عن مراعاة أعداد الطلاب المتقدمين بكل نظام بما يضمن المساواة وتكافؤ الفرص، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب لتنسيقات وحدود دنيا مختلفة.

 

وبهذا المعنى، قد يدخل طالبان الكلية نفسها بدرجتين مختلفتين من نظامين مختلفين، فتبدأ معركة جديدة حول العدالة، خصوصا إذا شعر طلاب أحد النظامين أن الآخر حصل على طريق أسهل.

 

كذلك لن تكون المقارنة بين 320 و600 درجة عملية حسابية بسيطة، لأن طبيعة المواد وعددها وتوقيت الامتحان ونظام التحسين والرسوب كلها عوامل تؤثر في الدرجة النهائية وفرص المنافسة.

 

وعليه، فإن أخطر ما في التجربة أن التنسيق سيصبح معادلة سياسية واجتماعية قبل أن يكون رقمية، لأن أي خلل في النسب سيشعل غضب الأسر التي ترى الجامعة مصير عمر كامل.

 

فضلا عن ذلك، فإن البكالوريا توزع الشهادة على الصفين الثاني والثالث، بينما الثانوية تحسم الشهادة في الصف الثالث، وهذا اختلاف يغير نفسية الطالب وحسابات الدروس والضغط الأسري والإنفاق التعليمي.

 

ومن زاوية نقدية، يحذر الدكتور كمال مغيث من أن التغيير المتكرر في التعليم المصري دون تقييم حقيقي يربك المجتمع، لأن المشكلة ليست في أسماء النظم بل في العدالة والتمويل وجودة المدرسة.

 

بالتالي لا يكفي أن تقول الوزارة إن البكالوريا اختيارية ومجانية، لأن الاختيار لا يكون حرا عندما تكون المعلومات ناقصة، والمدارس غير متكافئة، والأسر مضطرة لاتخاذ قرار مصيري تحت ضغط الخوف.

 

كما أن أول دفعة ستدفع ثمن التجربة كاملة، لأنها ستواجه نظاما جديدا وتنسيقا جديدا وأسئلة جديدة، بينما لا تزال الذاكرة التعليمية مثقلة بتجارب تطوير بدأت بشعارات كبيرة وانتهت بارتباك واسع.

 

ومن ثم يصبح المطلوب نشر جداول قبول واضحة قبل اختيار الطلاب للنظام، وتحديد الكليات والشروط والمقابلات والحدود الاسترشادية، حتى لا يتحول الصف الأول الثانوي إلى فخ إداري طويل.

 

كذلك يجب إعلان قواعد عادلة للتحويل أو العدول أو معالجة الاختيار الخاطئ، لأن حبس الطالب في مسار مبكر دون مخرج واضح يمثل ظلما تربويا لا يقل خطورة عن ظلم التنسيق.

 

وفي النهاية، تكشف البكالوريا أزمة إدارة لا أزمة مسميات، فالدولة تقدم نظامين ومجموعين ومسارات مختلفة، ثم تطلب من الأسر الثقة؛ بينما العدالة لا تبنى بالطمأنة، بل بقواعد معلنة قبل الامتحان.