تحوّل الطريق الصحراوي الشرقي، في المسافة الواقعة بين مركزي المنيا وسمالوط، إلى مسرح جديد لمأساة إنسانية دامية، بعد حادث تصادم مروّع أسفر عن مصرع 11 شخصًا وإصابة 9 آخرين، جميعهم من عمال المحاجر، في واحدة من أكثر الحوادث دلالة على فشل الدولة في حماية أرواح أبسط فئاتها العاملة.
الحادث لم يكن مفاجئًا، ولم يكن استثنائيًا، بل جاء حلقة جديدة في سلسلة طويلة من حوادث الطرق التي تحوّلت في عهد الحكومة الحالية إلى قوائم موت مفتوحة، يدفع ثمنها الفقراء والعمال، بينما تكتفي الدولة ببيانات التعزية وتبادل المسؤوليات.
تصادم عنيف.. ومشهد يتكرر بلا نهاية
تعود تفاصيل الحادث إلى تلقي الأجهزة الأمنية إخطارًا من غرفة عمليات النجدة، يفيد بوقوع تصادم عنيف بين سيارة نقل ثقيل وأخرى ربع نقل كانت تقل عددًا من عمال المحاجر في طريقهم إلى أعمالهم اليومية. هذا التصادم العنيف أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا في موقع الحادث، في مشهد يعكس حجم الخطر الذي يواجهه العمال يوميًا دون أي مظلة حماية حقيقية.
وعلى الفور، انتقلت قوات الأمن وعدد من سيارات الإسعاف إلى موقع البلاغ، حيث كشفت المعاينة الأولية عن وفاة 11 عاملًا في الحال، بينما أُصيب 9 آخرون بإصابات وُصفت بالمتفاوتة، شملت كدمات وسحجات وكسورًا متفرقة في أنحاء الجسم، إلى جانب حالات اشتباه ما بعد الارتجاج.
ورغم سرعة وصول سيارات الإسعاف، فإن حجم الإصابات وعدد الضحايا يعكس واقعًا أكثر قسوة: طرق غير مؤمّنة، مركبات غير صالحة لنقل البشر، وغياب شبه كامل لإجراءات السلامة.
عمال المحاجر.. ضحايا الإهمال المزمن
لم يكن ضحايا الحادث من السياح أو أصحاب السيارات الفارهة، بل من عمال المحاجر، إحدى أكثر الفئات تهميشًا في سوق العمل المصري. هؤلاء العمال يعملون في ظروف قاسية، دون تأمين كافٍ، ودون وسائل نقل آدمية، وغالبًا ما يُنقلون في سيارات ربع نقل متهالكة، غير مخصصة لنقل البشر أصلًا.
ورغم علم الحكومة الكامل بهذه الممارسات، فإنها لم تتحرك يومًا لوضع حدٍّ لها. لا تشريعات رادعة، ولا رقابة حقيقية، ولا بدائل نقل آمنة، وكأن أرواح هؤلاء العمال لا تدخل ضمن حسابات الدولة.
الحادث يكشف بوضوح أن ما جرى ليس مجرد خطأ سائق أو قضاء وقدر، بل نتيجة مباشرة لسياسات حكومية تترك العمال فريسة للفوضى والإهمال، بينما تُنفق المليارات على طرق دعائية ومدن فاخرة لا يمر بها الفقراء.
حكومة بلا محاسبة.. ودماء بلا ثمن
السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل حادث: من المسؤول؟
حتى الآن، لم تعلن الحكومة عن أي إجراءات جادة لمحاسبة المتسببين الحقيقيين، سواء من أصحاب سيارات النقل غير المرخصة، أو الشركات التي تُشغّل العمال دون توفير وسائل نقل آمنة، أو الجهات الرقابية التي تغض الطرف عن هذه الانتهاكات.
الأخطر أن هذه الحوادث لم تعد استثناءً، بل أصبحت نمطًا متكررًا، خصوصًا على الطرق الصحراوية التي تفتقر إلى الإنارة الجيدة، والرقابة المرورية المستمرة، ونقاط الإسعاف السريع، فضلًا عن غياب التفتيش على صلاحية المركبات.
وفي كل مرة، تكتفي الحكومة بتسجيل الأرقام: 11 قتيلًا، 9 مصابين، ثم تُغلق الملفات دون إصلاح جذري، وكأن الدماء تُسجَّل كأرقام في دفتر الحوادث، لا كأرواح فقدت حقها في الحياة الآمنة.
مأساة مفتوحة بلا نهاية
حادث الطريق الصحراوي الشرقي بين المنيا وسمالوط ليس حادثًا عابرًا، بل شهادة إدانة لنظام إداري وحكومي فشل في حماية مواطنيه، خاصة العمال الذين يشكّلون العمود الفقري لأي اقتصاد.
طالما استمرت الحكومة في تجاهل ملف السلامة على الطرق، وطالما بقي نقل العمال يتم بعشوائية قاتلة، فإن مشاهد الجثث والإصابات ستتكرر، وستبقى الطرق المصرية مصائد موت مفتوحة.
الضحايا الـ11 الذين لقوا مصرعهم، والمصابون الـ9 الذين يرقدون الآن بين الألم والانتظار، ليسوا أرقامًا في بيان أمني، بل دليل صارخ على أن الإهمال الحكومي لم يعد مجرد تقصير، بل جريمة مستمرة تُرتكب على الأسفلت.

