في تحوّل خطير يكشف عن طبيعة النظام الانقلابي الحقيقية، يواصل عبد الفتاح السيسي مشروعه الممنهج لتحويل مصر من دولة مدنية إلى معسكر ضخم يخضع كل شيء فيه للسيطرة العسكرية المباشرة.

 

لم تعد الكفاءة العلمية أو التخصص المهني كافياً للعمل في وظائف مدنية، بل أصبح الخضوع للتدريب العسكري والولاء المطلق للمؤسسة العسكرية شرطاً إلزامياً لا مفر منه.

 

من القضاة إلى المعلمين، ومن الدبلوماسيين إلى أئمة المساجد، ومن موظفي النقل إلى مديري المدارس، الجميع بلا استثناء يُجبر على المرور عبر بوابة الأكاديمية العسكرية، في مشهد يُذكّر بأحلك فترات الأنظمة الشمولية التي سعت لإخضاع كل مفاصل المجتمع لسيطرة أجهزتها الأمنية والعسكرية.

 

المشروع لا يستثني حتى طلاب الجامعات، حيث أُجبر 4 ملايين طالب وطالبة على دفع رسوم إلزامية بلغت 155 جنيهاً لكل منهم، لحضور دورات عسكرية تمتد لأسبوعين تحت مسمى "التربية العسكرية"، رغم أن القانون المفعّل يعود لحقبة ما قبل حرب أكتوبر.

 

هذا التوسع المحموم يكشف عن رؤية السيسي الحقيقية: دولة بلا مدنيين، مجتمع بلا أحرار، ومؤسسات تدور كلها في فلك العسكددإهانة العلماء وتحقير الشريعة داخل الثكنات

 

بلغت الوقاحة ذروتها حين وقف السيسي أمام دعاة حاصلين على درجات الدكتوراه في العلوم الشرعية، ليحمّل الإسلام والمسلمين مسؤولية "1400 سنة من التخلف الديني" حسب تعبيره المهين، في خطاب يكشف عن احتقار واضح وصريح للتراث الإسلامي والمؤسسات الدينية العريقة كالأزهر الشريف.

 

الأخطر والأكثر إهانة كان استخفافه السافر بالدكتوراه الشرعية التي تستغرق سنوات طويلة من البحث والدراسة المعمقة، حين قال إن ساعات الدورة العسكرية تتجاوز ساعات دراسة الدكتوراه نفسها، كأن العلم الشرعي الذي كرّس له هؤلاء الدعاة أعمارهم يمكن استبداله ببضعة أسابيع من التلقين العسكري الأيديولوجي.

 

الصور المهينة التي انتشرت بسرعة على منصات التواصل للأئمة وهم يجلسون في وضعية "الانتباه" العسكرية أمام السيسي، كأنهم مجندون جدد في معسكر تدريب، تمثل إهانة غير مسبوقة لمكانة العلماء في المجتمع المصري.

 

هؤلاء الذين كانوا يُحترمون تاريخياً لعلمهم وتقواهم ودورهم في توجيه المجتمع، أصبحوا اليوم مجرد جنود يتلقون الأوامر والتوجيهات من قائد انقلاب عسكري يريد إعادة صياغة الدين نفسه وتطويعه وفق رؤيته الأمنية الضيقة ومصالحه السياسية.

 

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا يُستهدف الدعاة المسلمون فقط بهذا الإذلال المنظم، بينما يُستثنى القساوسة والكهنة المسيحيون من أي تدريب عسكري مماثل؟

 

الإجابة واضحة وصريحة: النظام الانقلابي يرى في الخطاب الإسلامي تهديداً مباشراً ومحتملاً لسلطته الاستبدادية، خاصة بعد تنامي روح المقاومة في المنطقة عقب أحداث كبرى مثل "طوفان الأقصى"، ولذلك يسعى بكل قوة لتطويعه وتدجينه وإخضاعه تماماً لسيطرته المباشرة.

 

ابتزاز مالي ممنهج ونهب مقنّع باسم الوطنية

 

ما يجري في مصر اليوم ليس مجرد عسكرة للمؤسسات المدنية، بل هو أيضاً مشروع نهب ممنهج وابتزاز مالي فاضح يستهدف جيوب المصريين.

 

القضاة الجدد، الذين من المفترض أن يكونوا رمزاً للعدالة والاستقلال، يُجبرون على دفع 112 ألف جنيه مقابل الدورة العسكرية قبل التعيين، في مبلغ يفوق قدرة معظم الخريجين.

 

الطلاب الجامعيون يدفعون رسوماً إجبارية بلغت 155 جنيهاً لكل منهم، ما يعني أن 4 ملايين طالب وطالبة يدفعون مجتمعين أكثر من 620 مليون جنيه سنوياً.

 

الدبلوماسيون والمعلمون ومديرو المدارس وموظفو النقل والطب الشرعي، جميعهم يُبتزون مالياً مقابل الحصول على وظائفهم المدنية.

 

الأكاديمية العسكرية تحولت بقرار فردي من السيسي إلى مؤسسة مالية عملاقة تدر ملايين، بل مليارات الجنيهات سنوياً من جيوب المصريين المنهكين اقتصادياً، دون أي رقابة برلمانية حقيقية أو محاسبة شفافة أو إفصاح عن حجم الإيرادات الحقيقية.

 

هذا النهب المقنّع يتم بصفاقة تحت شعارات براقة مثل "الأمن القومي" و"الوطنية" و"بناء الشخصية"، بينما الحقيقة الصارخة أن النظام الفاشل يستغل سلطته المطلقة لفرض ضرائب غير مباشرة على كل من يريد العمل في وظيفة حكومية أو الدراسة في جامعة مصرية.

 

المفارقة المؤلمة أن هذا النهب الممنهج يحدث في بلد يعاني من أزمة اقتصادية خانقة وأسوأ موجة تضخم في تاريخه الحديث، حيث يُجبر المواطنون العاديون على دفع أموال طائلة لنظام فاسد وفاشل يعجز تماماً عن توفير الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والكهرباء والمياه.

 

هندسة العقل الجمعي وإنتاج جيل الهزيمة والخنوع

 

المشروع الحقيقي للسيسي يتجاوز بكثير مجرد السيطرة على المؤسسات المدنية إلى السيطرة المباشرة على العقول والأفكار وإعادة برمجة الوعي الجمعي.

 

التدريب العسكري الإجباري للطلاب والمعلمين والدعاة والموظفين ليس هدفه الحقيقي تعليمهم أي مهارات عسكرية نافعة، بل إعادة برمجة وعيهم وتفكيرهم ليصبحوا أدوات طيّعة ومُدجّنة في يد النظام الاستبدادي.

 

المحاضرات المكثفة عن "حروب الجيل الرابع" و"مكافحة الإشاعات" و"الأمن السيبراني" و"دور الجيش المقدس في التنمية" هي في الحقيقة دروس يومية في الطاعة العمياء والخنوع التام للسلطة وقبول الرواية الرسمية دون نقد أو تفكير.

 

النظام الانقلابي يسعى بكل طاقته لإنتاج جيل كامل يرى الدولة والنظام فوق الدين والقيم، والسلطة العسكرية فوق أي اعتبار آخر، والطاعة المطلقة فوق التفكير النقدي والاستقلالية الفكرية.

 

إنها هندسة شاملة ومتعمدة للهزيمة النفسية الجماعية، تستهدف بوضوح تفريغ المجتمع المصري من أي روح مقاومة أو رفض للظلم أو تطلع للحرية.

 

وفي ظل صعود روح المقاومة الملحوظ في المنطقة العربية والإسلامية،

 

يحاول السيسي بيأس بناء جدار نفسي عازل يقطع المصريين عن محيطهم الطبيعي ويحولهم إلى قطيع مُدجّن ومنزوع الإرادة.

 

ما يحدث في مصر اليوم ليس مجرد سياسات خاطئة أو قرارات إدارية فاشلة، بل هو مشروع منظم وممنهج لتدمير ما تبقى من الدولة المدنية وتحويلها بالكامل إلى امتداد مباشر للمؤسسة العسكرية ومصالحها.

 

السيسي لا يريد مواطنين أحراراً يفكرون وينتقدون، بل جنوداً يطيعون دون تفكير، ودعاة يبررون الظلم دون اعتراض، وموظفين يخضعون دون مساءلة أو محاسبة.

 

إنه مشروع الاستبداد الكامل الذي يسعى لإغلاق كل منافذ الحرية المتبقية في مجتمع كان يوماً منارة للعلم والحضارة والريادة الفكرية في المنطقة بأسرها.