حذرت الباحثة الدكتورة سالي صلاح في دراسة اقتصادية تناولت بيع 45% من أسهم بنك القاهرة بقيمة 36.37 مليار جنيه، من تداعيات هذا التخارج الحكومي المتكرر وتأثيره المباشر في إضعاف السيطرة الوطنية على أدوات القوة التمويلية.
وبناءً على ذلك، أوضحت الباحثة أن القضية تتجاوز مجرد تقليص حصص مصرفية لتلامس تساؤلات سيادية ملحة حول هوية المالكين الجدد للمؤسسات العامة، ومدى استئثار جهات استثمارية بالقرار التنموي المستقبلي في البلاد على حساب مشاركة المواطنين.
تفاصيل توزيع حصص بنك القاهرة
علاوة على ذلك، أظهرت البيانات الرسمية تنفيذ صفقة التخارج بسعر 5.30 جنيه للسهم الواحد، لتبلغ الحصيلة الإجمالية 36.37 مليار جنيه، وهو ما يمثل تراجعاً حكومياً عن الاحتفاظ بكامل الملكية العامة للمصرف العريق.
وفي هذا السياق، شهدت الصفقة تخصيص 95% من المعروض المؤسسي لصالح كيانات كبرى وصناديق إقليمية ودولية، في حين تم تقليص حصة الاكتتاب العام المخصصة لعموم المواطنين المصريين إلى 5% فقط من إجمالي الأسهم المطروحة.
ومن هذا المنطلق، فجّر الإقبال الشعبي مفاجأة كبرى بعد تغطية شريحة الأفراد بنحو 27 مرة، مما برهن على توافر سيولة محلية ورغبة جارفة لدى صغار المدخرين في الاستثمار، خلافاً للادعاءات الحكومية بضعف القدرة الشرائية للمجتمع.
إضافة إلى ذلك، اعتبرت التحليلات الاقتصادية حرمان المدخرين من الاكتتاب الواسع تناقضاً بيّناً مع الشعارات الرسمية المرفوعة بشأن توسيع قاعدة الملكية، حيث تحولت العملية التمويلية إلى وسيلة لاستبعاد المواطن بدلاً من دمجه في عوائد التنمية.
في المقابل، احتفظ بنك مصر بحصة تبلغ 55% من أسهم المصرف لتمثيل الأغلبية الحاكمة، غير أن دخول مستثمرين خارجيين بتكتلات متحدة أثار تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الإدارة العامة على الانفراد بتحديد السياسات الائتمانية.
وعلى هذا الأساس، تبرز مخاوف حقيقية من تحويل الأصول العامة المنتجة إلى أدوات سريعة لسداد الالتزامات المالية العاجلة، متجاهلة التبعات الاستراتيجية طويلة الأجل لفقدان السيطرة على أحد أهم البنوك التجارية الرائدة في السوق المصري.
قائمة الكيانات المستحوذة وشبهات النفوذ
نتيجة لذلك، ذهبت الحصة الكبرى من الطرح الخاص إلى قائمة ضمت 5 كيانات تمويلية دولية وإقليمية، تصدرتها مؤسسة التمويل الدولية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، مما يعزز هيمنة المؤسسات متعددة الأطراف على التوجهات المالية.
بالتوازي مع ذلك، شملت قائمة المشترين صندوق هيليكون بجانب مجموعتي سوستينبل كابيتال وريدويل، بالإضافة إلى شركة الواحة للاستثمار الإماراتية، وهي تحالفات استثمارية تمتلك نفوذاً واسعاً وتوجهات قد تتعارض مع متطلبات التنمية المجتمعية المحلية.
من جانب آخر، طرحت الدكتورة سالي صلاح تساؤلات حاسمة حول هوية الملاك المستفيدين النهائيين خلف تلك الصناديق الغربية والخليجية، محذرة من غياب الإفصاح الكامل والشفافية التي قد تخفي وراءها شبكات مصالح معقدة ذات غايات غامضة.
بناءً عليه، يخشى مراقبون من وجود ملكيات متقاطعة غير معلنة بين هذه الصناديق الاستثمارية، مما يمنحها قوة تفاوضية موحدة تفرض شروطها وتوجهاتها داخل مجلس الإدارة، بما يتجاوز حصصها الفردية الظاهرة في مستندات الشراء الرسمية.
وفضلاً عن هذا، تتعدى تداعيات الصفقة مجرد تحصيل أرباح سنوية إلى التأثير المحتمل في سياسات منح الائتمان للمشروعات المحلية، وتحديد أولويات التوسع الجغرافي للفروع، الأمر الذي قد يقلص دور البنك التنموي والخدمي الوطني.
وعلى صعيد متصل، تواجه السلطات انتقادات حادة بسبب الاعتماد على الصفقات الخارجية دون وضع ضمانات تشريعية صارمة تحمي القرار الاقتصادي السيادي، مما يجعل المؤسسات المصرفية الحيوية رهينة لتقلبات رؤوس الأموال العابرة للحدود.
بدائل التوزيع الشعبي وغياب الشفافية
في غضون ذلك، طرحت الباحثة بديلاً تمويلياً وطنياً جرى تجاهله عمداً، تمثل في تحديد سقف أقصى للشراء يبلغ 1000 سهم لكل مواطن، بما يعادل 5300 جنيه فقط، ليكون الاستثمار متاحاً لشرائح واسعة من الأسر.
إلى جانب ذلك، أوضحت الحسابات أن تطبيق هذا المقترح كان يتطلب مشاركة نحو 6.86 مليون مواطن مصري فقط لاستيعاب كامل الحصة المباعة، مما كان سيضمن كسر الاحتكار الأجنبي وتحقيق عدالة التوزيع وثراء المجتمع.
وبناءً على هذا، يثير رفض خيار السقف الشعبي اتهامات صريحة للإدارة الاقتصادية باختيار نقل الملكية لنخب خارجية محددة سلفاً، وتفادي الشراكة مع عموم المصريين لتقليص الضجيج المجتمعي وتسريع الاستحواذ المؤسسي دون مساءلة حقيقية.
ومن ثم، شددت الرؤية التحليلية على أن الأصول الوطنية تمثل ركائز سيادية موروثة للأجيال القادمة وليست مجرد بنود محاسبية تُباع لمواجهة عجز الموازنة، محذرة من إهدار تلك المكتسبات التي استغرق بناؤها عقوداً طويلة.
وعلى هذا النحو، أرجعت سالي صلاح خطورة التوجهات الحالية إلى تفريغ مقدرات البلاد ورهنها للمصالح الدولية، مؤكدة أن التاريخ لن يتسامح مع تغييب حق الشعب في تملك مؤسساته المصرفية لصالح جهات التمويل الغربية.
وختاماً لهذا الطرح، اعتبرت الكاتبة تعزيز الوعي الشعبي السلاح الأبرز لمواجهة تصفية الأصول، مشيرة إلى أن صفقة بنك القاهرة سقطت في اختبار النزاهة الوطنية بعدما رسخت إقصاء المواطنين لصالح النخب الاستثمارية العالمية.
https://www.facebook.com/sally.salah.7315/posts/10176159072040711

