يثير الرفض المصري لمذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين طرابلس وأنقرة تساؤلات سياسية واسعة حول خلفياته الإقليمية، متجاوزاً الدفوع القانونية المعلنة من القاهرة بشأن اتفاقية الحدود البحرية وحقوق التنقيب في شرق المتوسط، في ظل استحضار الليبيين لسجل طويل من التدخلات الدبلوماسية والأمنية السابقة التي تجعل التعاطي مع الموقف المصري محاطاً بالحذر.
وتتصاعد الشكوك في الشارع الليبي حول حقيقة الاعتراضات المصرية، بالنظر إلى تعارضها مع المكاسب الجيوسياسية والاقتصادية التي تمنحها الاتفاقية لليبيا، مما يعيد التذكير بعقود من الضغوط السياسية التي مارستها الأنظمة المصرية المتعاقبة على القرار الوطني الليبي، وصولاً إلى التدخلات العسكرية الأخيرة التي عمقت فجوة الثقة بين البلدين.
أطماع جغرافية وضغوط مالية مبكرة
وفي تفاصيل ذلك، أظهرت وثائق الكتاب السنوي للأمم المتحدة خلال مرحلة استقلال ليبيا تقديم المندوب المصري مطالب إقليمية صريحة شملت واحة الجغبوب ومناطق أخرى، متجاوزاً بذلك دعم تطلعات الشعب الليبي في التحرر الناجز، ومحاولاً اقتطاع أجزاء جغرافية حساسة من الدولة الوليدة قبل اكتمال بنائها السيادي.
وبالتوازي مع ذلك، وثقت سجلات وزارة الخارجية الأمريكية اعتراض الدبلوماسية المصرية على الترتيبات الهيكلية لتشكيل الجمعية الوطنية الليبية، وسعي القاهرة لتعديل قرار المنظمة الدولية لاشتراط آلية انتخاب محددة تضمن نفوذاً موالياً لها، معرقلة التوافقات الداخلية التي كانت تسعى إليها النخب الوطنية لإعلان دستور المملكة.
وعلاوة على ذلك، واجهت حكومة طرابلس في أواخر عام 1952 أزمة مالية حادة دفعتها لطلب قرض عاجل لتغطية عجز الموازنة العامة، غير أن السلطات المصرية رفضت تقديم المعونة المالية المباشرة، واشترطت لاحقاً فرض وصاية وإشراف إداري كامل على بنود الميزانية الليبية مقابل توفير التمويل المطلوب.
ونتيجة لهذا الرفض، اضطر الملك إدريس السنوسي لرفض الشروط التقييدية والتوجه نحو بريطانيا والولايات المتحدة لتأمين السيولة النقدية وسد العجز المالي، مما ترتب عليه توقيع اتفاقيات دفاع مشترك سمحت بإنشاء قواعد عسكرية غربية، إثر انسداد الأبواب العربية بعد تعذر نيل مساعدات مماثلة من العراق ومصر.
وانطلاقاً من هذه الوقائع، يرى الباحث بالمركز الليبي للبحوث والتنمية السنوسي بسيكري أن محاولة القاهرة المستمرة لفرض الوصاية الاقتصادية وتجريد طرابلس من استقلالية القرار تمثل نهجاً متوارثاً يهدف إلى إبقاء ليبيا تابعة للمصالح المصرية، متجاهلاً احتياجات الدولة التنموية وحقوقها السيادية الكاملة في اختيار تحالفاتها.
أدوار استخباراتية وتحريض إعلامي ممنهج
واستمراراً لهذا النهج، أبرز رئيس الوزراء إبان العهد الملكي محمد عثمان الصيد في مذكراته مفارقة هجوم إذاعة "صوت العرب" عام 1953 على الحكومة عقب إحالة المعاهدة البريطانية لمجلس الأمة، ناعتة رئيس الوزراء محمود المنتصر بأنه تابع للاستعمار، متناسية أن لجوءه للغرب جاء اضطراراً إثر منع الدعم العربي.
وبصورة أكثر حدة، أفاد تقرير معاصر لمجلة "تايم" إبان أزمة السويس عام 1956 بقيام الملحق العسكري المصري العقيد إسماعيل صادق بتأسيس ما سُمي "جبهة كفاح الشعب الليبي"، مستغلاً صفته الدبلوماسية لتنفيذ مخططات أمنية هدفت لزعزعة الاستقرار الداخلي وخلخلة البنية الدفاعية للمملكة تحت لافتات وشعارات قومية.
وجراء هذا النشاط، نسبت التقارير لتلك الجبهة تفجير جزء استراتيجي من خط النفط الممتد بين ميناء طرابلس وقاعدة ويلس العسكرية، مما دفع رئيس الوزراء الليبي لتقديم مذكرة احتجاج رسمية للسفارة المصرية بعد ثبوت تورط الملحق العسكري في إدارة خلايا مسلحة تنتهك سيادة الدولة وقوانينها المرعية.
وتأكيداً لتلك التجاوزات، أثبتت التحريات الرسمية إدخال 28 صندوقاً محملاً بالأسلحة والمتفجرات إلى مقر السفارة، مما استوجب مطالبة طرابلس للملحق المصري بمغادرة البلاد فوراً، وهو ما أيدته برقية للخارجية الأمريكية أكدت توجيه اتهامات مباشرة لصادق بممارسة أنشطة تخريبية تمس سلامة الأراضي الليبية وأمنها العام.
وبالمثل، أورد رئيس الوزراء السابق بشير السني المنتصر في مذكراته تكرار الحملات الدعائية في حرب يونيو 1967، عبر اتهام إذاعة القاهرة لليبيا بتمكين المقاتلات الغربية من ضرب مصر انطلاقاً من مطاري الملاحة والعدم، قبل أن يتراجع جمال عبد الناصر لاحقاً وينفي استخدام تلك القواعد في العمليات.
وبناءً على تلك الأحداث، يوضح المحلل القانوني والسياسي فيصل الشريف أن ترويج الشائعات والتحريض الإعلامي أسهم جوهرياً في نسف الثقة الشعبية بالحكم الملكي ومهد لانقلاب سبتمبر 1969، مشدداً على أن القاهرة اعتادت توظيف الأدوات الإعلامية والاستخباراتية لزعزعة استقرار جيرانها كلما تعارضت سياساتهم مع طموحاتها الإقليمية الخاصة.
عسكرة الصراع وازدواجية الدبلوماسية المعاصرة
وعلى صعيد متصل، تجاوزت التدخلات بعد عام 2014 حدود البيانات الدبلوماسية، حيث وثق فريق خبراء الأمم المتحدة انخراطاً عسكرياً مصرياً مباشراً تمثل في تزويد فصيل معين بشحنات أسلحة وذخائر متطورة، مشعلاً جبهات القتال ومهدداً بنسف مساعي التسوية السياسية الشاملة التي ترعاها البعثة الدولية بين الأطراف المتنازعة.
وإضافة إلى ذلك، تضمنت التقارير الأممية دلائل على تنفيذ غارات جوية مصرية داخل الأراضي الليبية بأوامر من نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لترجيح كفة حلفائه، مما أوقع خسائر مادية وبشرية فادحة وعطل جهود التفاوض، مرسخاً الانقسام المؤسسي ومانعاً توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية تحت سلطة مدنية موحدة.
وفي خضم هذه التناقضات، سعت القاهرة لتقديم نفسها كوسيط نزيه في جولات الحوار السياسي، غير أن تسليحها المتواصل لأحد أطراف الصراع يفقدها الأهلية الأخلاقية والسياسية للعب دور المحايد، لكون الجمع بين الوساطة وتغذية الحرب يمثل معضلة بنيوية تفضح الرغبة في التحكم بالخارطة السياسية لطرابلس.
واليوم، تتذرع مصر بمخالفة مذكرة التفاهم الليبية التركية لقانون البحار، مدعية المساس بنطاق حقوقها الاقتصادية، في حين يرى قانونيون أن الاعتراض يستتر خلف مخاوف خسارة النفوذ البحري لصالح التحالف الجديد، دون تقديم حلول منصفة تراعي مصالح الجانب الليبي ومياهه الاقتصادية الخالصة وفق المعايير والاتفاقيات الدولية.
وفي هذا السياق التحليلي، يؤكد الباحث الأول بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية طارق المجريسي أن الاحتجاجات المصرية الراهنة لا تنفصل عن ممارسات الهيمنة القديمة، حيث يُقاس الرفض دائماً بمقدار ما يحققه لليبيا من استقلالية وقوة جيوسياسية تكسر التبعية التاريخية للقاهرة وتمنحها نفوذاً حقيقياً في حوض البحر المتوسط.
وختاماً، يستوجب الواقع القانوني دراسة المذكرة البحرية بدقة بالغة لتحديد مكاسب ليبيا الاستراتيجية، غير أن استحضار الشواهد الممتدة يمنح طرابلس الحق الكامل في الحذر من النوايا المصرية، والتعامل مع التحفظات المعلنة بوصفها امتداداً لصراع المصالح الإقليمية أكثر من كونها حرصاً نزيهاً على تطبيق قواعد العدالة الدولية.

