أبرزت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، نتائج دراسة حديثة صادرة عن "المركز النمساوي لتوثيق الإسلام السياسي"، أشارت إلى أن الحكومة التركية بدأت في تغيير بوصلتها الدبلوماسية عبر النأي بنفسها تدريجيًا عن جماعة "الإخوان المسلمين" وعزل حلفائها الإسلاميين السابقين، مقابل إعطاء الأولوية القصوى للمصالح البراجماتية والعلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية المحورية وفي مقدمتها مصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة.
الدراسة التي جاءت في 94 صفحة وحملت عنوان "حزب العدالة والتنمية والإخوان المسلمون: تطور وفشل التحالف الإسلامي في الشرق الأوسط وأوروبا"، سلطت الضوء على ملامح هذا التحول التركي ومآلاته الإقليمية والدولية عبر المحاور التالية:
انهيار التحالف التاريخي مع الإخوان المسلمين
ذكرت الصحيفة نقلاً عن الدراسة، أن تركيا تراجعت عن التزاماتها الأيديولوجية السابقة تجاه "الإخوان المسلمين" التي تبنتها عقب أحداث "الربيع العربي" عام 2011، وتحديدًا بعد الانقلاب على حكم محمد مرسي في مصر عام 2013 وتراجع نفوذ الحركة في دول أخرى مثل تونس.
بعد أن تحولت إسطنبول لسنوات إلى مركز دولي رئيس لإيواء وإعلام قيادات الإخوان الفارين (حيث قُدر عددهم بنحو 20 ألفًا مع عائلاتهم في عام 2020)، اتجهت تركيا مؤخرًا إلى تقليص هذه الأنشطة والحد من القنوات التلفزيونية التابعة لهم كجزء من مساعي التقارب مع الحكومات العربية.
استثناء حركة "حماس" وتوسيع شبكاتها
على العكس من تعاملها مع الإخوان، أوضحت الدراسة أن تركيا استثنت حركة "حماس" (المنحدرة تاريخيًا من الفرع الفلسطيني للإخوان)، وتحولت علناً إلى راعٍ ومؤيد نشط لها، لاسيما بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023.
حذر التقرير من أن علاقة أنقرة بحماس تمتد تداعياتها إلى داخل أوروبا؛ حيث تدعم تركيا شبكات الحركة هناك، وتستغل وسائل الإعلام والمنظمات التابعة لها لنشر الروايات المؤيدة لحماس والخطاب الإسلامي بين مجتمعات المغتربين والشتات في الدول الأوروبية.
التمويل والشبكات الإسلامية في أوروبا
استشهدت الدراسة النمساوية ببيانات صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية تشير إلى أن أوروبا تشكل قناة هامة لتمويل حماس عبر منظمات خيرية تحت غطاءات مختلفة تشمل دولاً مثل إيطاليا وألمانيا والنمسا.
أشارت الدراسة أيضًا إلى أن التمويل القادم من مؤسسات قطرية (مثل قطر الخيرية ومؤسسة قطر) للمساجد والمدارس والجمعيات الإسلامية في أوروبا كان أكثر تأثيرًا وعمقًا، وامتد ليشمل حتى جماعات سلفية صغيرة، إلى جانب الكيانات المرتبطة بالإخوان وعموم المنظمات التركية مثل "ميلي جوروش".
وبناءً على هذه المعطيات، توقعت الدراسة أن تواصل تركيا الموازنة بين الحفاظ على موقفها العلني الداعم لحركة حماس، وبين الاستمرار في تحسين وتطوير علاقاتها الدبلوماسية البراجماتية مع حكومات دول الخليج ومصر التي تتبنى مواقف مناهضة لتنظيم الإخوان المسلمين.
احتمالات سياسية بديلة وموازية للمشهد الإقليمي
لتشكيل رؤية شاملة ومحايدة حول هذه التحولات، يُشير مراقبون سياسيون إلى احتمالات ودوافع أخرى تحكم السياسة الخارجية التركية والعربية، ومنها:
توازن القوى الإقليمي والدولي: قد لا يكون التراجع التركي ناجمًا فقط عن فشل الإخوان، بل نتيجة حاجة أنقرة الماسة لإصلاح اقتصادها عبر جذب الاستثمارات الخليجية المباشرة وتصفير المشاكل الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
استقلالية الفصائل الفلسطينية: ترى قراءات سياسية أخرى أن دعم تركيا لحماس ينطلق من كونها "حركة تحرر وطني فلسطينية" تفرضها الجغرافيا السياسية، وليس بناءً على روابطها التاريخية بجماعة الإخوان المسلمين.
مستقبل القيادات في أوروبا: رأت الدراسة أنه مع استمرار التقارب التركي-العربي، قد تضطر بعض قيادات الإخوان للانتقال مستقبلاً إلى العواصم الأوروبية (مثل لندن)، على الرغم من تأكيد الدراسة لعدم وجود أدلة ملموسة حتى الآن على حدوث هجرة جماعية واسعة النطاق للقيادات نحو أوروبا.
https://www.jpost.com/middle-east/article-913864

