معتز الفجيري
أكاديمي وحقوقي مصري. أستاذ مساعد ورئيس برنامج حقوق الإنسان في معهد الدوحة للدراسات العليا
بصرف النظر عن حقيقة نيات إعلان الرئيس المصري عدم الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2030، فقد فتح المجال أمام التساؤل عما يمكن أن تشهده مصر سياسيًا في السنوات المقبلة، وما إذا كان من الممكن الدفع نحو تغيير قواعد اللعبة السياسية في عمل سياسي منظم. غير أن النشطاء والمعارضين المصريين يواجهون معضلة حقيقية: من جهة، هناك رغبة لدى قطاعات منهم في التحرّك سياسيًّا والتأثير في مسار الأحداث. ومن جهة أخرى، يصطدم هذا الطموح بواقع انغلاق مساحات العمل العام والسياسي، وتعاظم مخاطره، ومحدودية فرص التنظيم والتواصل السياسي، في ظل التدابير القمعية المتجدّدة التي تستهدف الإعلام والمجتمع المدني وأي نشاط سياسي مستقل.
ومع التسليم بمشروعية هذه المخاوف وواقعيتها، فإن الاستسلام لها قد يقود إلى رؤية ضيقة تهدّد بتبني أجندة السلطة، أو الانتظار إلى حين ظهور فرص سياسية، بدلًا من التفكير والتحرّك من أجل إيجاد هذه الفرص، أو على أقل تقدير الاستعداد لها وحسن استغلالها إذا ظهرت، خصوصًا في ظل متغيّرات سياسية واقتصادية محلية وعالمية مضطربة، قد تفسح المجال أمام تحوّلات سياسية مفاجئة وغير متوقعة. وهناك دروس يمكن الاستفادة منها خارج المجال السياسي في مصر، تتعلق بكيفية الصمود والحركة في ظل القمع. وفي تقديري، تمثل الحركة الحقوقية المصرية نموذجا للمرونة والقدرة على الاستمرارية. فعلى الرغم من تعرّض المنظمات الأساسية المكونة لهذه الحركة لضربات أمنية منهجية، لم يتوقف النشاط والإنتاج الحقوقي، واستطاعت هذه الحركة أن تشكّل مصدر قلق مستمر للسلطة في مصر، من خلال حضورها المحلي والدولي. كما أن خنق مجال عملها داخل البلاد لم يُعق استمرارها المؤسّسي ضمن أطر بديلة، مستفيدة من وجود المصريين في الخارج.
واستطاع الإعلام البديل الرقمي، أو منصّات التحقق من المعلومات والحقائق، كما رأينا في تجربتي موقع مدى مصر ومنصة متصدقش، أن يكتسبا مساحة واسعة من الأنصار محليا ودوليا، شكلت لهما سندًا للاستمرار في ظل المحاولات المتكرّرة من السلطة لإسكات هذا الإعلام وترهيب القائمين عليه. وكانت مصر قد شهدت، في العقد السابق على ثورة يناير (2011) ، قدرًا عاليًا من الحراكين، السياسي والتنظيمي، في سياقات سياسية مهدت الطريق لاحقًا لحراك شعبي واسع.
وفي تشيلي، التي واجهت نظام حكم عسكريًا جاء بانقلاب دموي في بداية السبعينيات، يشرح إدواردو بوينينغر، في مقال كلاسيكي نشرته مجلة فورين أفيرز في ربيع 1986 بعنوان "الطريق التشيلي إلى الديمقراطية"، كيف عملت المعارضة التشيلية على إنهاء حكم أوغستو بينوشيه عبر مسار سياسي وتفاوضي طويل، رغم سيطرة النظام على المؤسّسات وتصميم دستور 1980 لضمان استمرار نفوذه. فبعد موجة الاحتجاجات التي أعقبت الأزمة الاقتصادية في أوائل الثمانينيات، أدركت قوى المعارضة أن التعبئة الشعبية والاحتجاجات وحدَها لن تكون كافية، فعملت تدريجيا على تجاوز انقساماتها الأيديولوجية، خصوصًا بين الاشتراكيين والديمقراطيين المسيحيين، وبناء ائتلافٍ يتفق على قواعد مشتركة للديمقراطية والتعدّدية واحترام الحقوق. وتوّج هذا المسار بالتنسيق السياسي والاتفاق الوطني لعام 1985، ثم باستثمار الآلية الدستورية التي أتاحها النظام نفسه لإجراء استفتاء عام 1988، حيث توحدت المعارضة حول التصويت بـ لا لاستمرار بينوشيه في الحكم، ونجحت في هزيمته وفتح الطريق أمام الانتقال الديمقراطي. وتتمثل أهم دلالة التجربة في أن المعارضة لم تنتظر انهيار النظام أو حدوث انفتاح سياسي تلقائي، بل بنت تدريجيا توافقًا سياسيًا وقدرة تنظيمية، مع درجة عالية من التنسيق بين الحركات السياسية في الداخل ومجتمعات الشتات، وجمعت بين التعبئة الشعبية والعمل المؤسسي والتفاوض، واستثمرت الفرصة الدستورية عندما أتيحت.
ولا تشترط التحولات الديمقراطية أن تكون البيئة الدولية والإقليمية مواتية منذ البداية، كما لا يكفي أن تكون المعارضة منظّمة وموحّدة لإحداث التغيير. فتجارب الفلبين وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وتشيلي تكشف أن التحولات تحدث عندما تتفاعل قدرة المعارضة على التنظيم والتعبئة مع تغيرات في حسابات النخبة الحاكمة والمؤسسات الأمنية والشركاء الدوليين، أو مع أزمات تعيد تشكيل ميزان القوى. ومن ثم، فإن التحدّي أمام المعارضة ليس انتظار تغير البيئة الدولية، ولا الاعتقاد بأنها تستطيع تجاهلها، وإنما بناء قدرة سياسية واجتماعية مستدامة تمكنها من الاستفادة من التحولات عندما تحدث، والمساهمة في خلق شروطها. وعلى الرغم من أهمية السياقات السياسية البنيوية الدولية والإقليمية في إحداث التحوّلات في أنظمة الحكم أو عرقلتها، فإن أكثر ما قد يهدد مسار النضال السياسي الديمقراطي هو جمود الفاعلين أنفسهم، وضعف خيالهم السياسي بشأن ما يمكن أن يمتلكوه من قدرات وتكتيكات تضمن استمرارية قضيتهم، وتجعلهم في موقع الجاهزية والفعل بدلا من الانتظار وردّ الفعل.
لقد مثلت المواجهة الحقوقية مع السلطة في مصر أولوية على مدار السنوات السابقة، واستطاعت هذه المواجهة تحقيق بعض الاختراقات، ووضع السلطة نفسها، في أوقات كثيرة، في موقع الدفاع والتبرير أمام الرأي العام الدولي والمحلي. ولكن على أهمية المواجهة الحقوقية، فإنها لا تكفي وحدها من دون حضور سياسي. وفي ظل الضعف التاريخي للحياة الحزبية والنقابية والتنظيمية عموما في مصر، وهو أحد أبرز عوائق الحياة السياسية، التي ظلت رهينة إلى حد كبير للقوى الأكثر تنظيمًا، وفي مقدّمتها المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان المسلمين، يبقى من الضروري التفكير في أشكال جديدة وأكثر مرونة للتنظيم، تشمل التحالفات الواسعة العابرة للأيديولوجيات السياسية، مع استثمار الواقع الجديد المتمثل في تشكل مجتمعات للمصريين في الخارج، وإدماجها في العمل السياسي، بدلا من الاقتصار فقط على المواجهات الحقوقية مع السلطة، التي استمرت لأكثر من عقد. لن تتراجع انتهاكات حقوق الإنسان وجذور الاستبداد في مصر من دون مواجهة سياسية، ومشروع سياسي قادر على التنافس على السلطة، أو التفاوض مع السلطة من موقع قوة سياسية. ومن دون السياسة، ستستمر المواجهة الحقوقية في تحقيق بعض المكتسبات الهشّة، التي سرعان ما تتلاشى في غياب فاعلين سياسيين يمتلكون امتدادات اجتماعية وحضورًا دوليا. لا يمكن مطالبة المعارضة بأن تنتصر في معركةٍ لا تتوافر لها شروطها، لكن لا يمكنها أيضًا أن تجعل غياب شروط المنافسة السياسية مبرّرًا لتعليق السياسة إلى أجل غير مسمّى، فالمعارضة ليست فقط قوة تنتظر لحظة سقوط النظام، بل هي أيضًا عملية مستمرّة لبناء المصالح المشتركة، وتنظيم المجتمع، وتوسيع مساحات الحرية، وإيجاد الشروط التي تجعل الانتقال الديمقراطي ممكنًا عندما تأتي لحظته.

