أصدر المركز الإسرائيلي للاستراتيجية الكبرى (ICGS) تحليلاً استراتيجيًا موسعًا عبارة عن قراءةً في الذكرى السبعين لحرب سيناء عام 1956 (العدوان الثلاثي)، مسلطًا الضوء على الفجوة بين تحقيق نصر عسكري خاطف في الميدان والعجز عن ترجمته إلى مكاسب سياسية مستدامة بفعل الضغوط التوازنية الدولية.
وبحسب الورقة التحليلية المنشورة على منصة المركز، فإن البيئة الأمنية التي سبقت الحرب تشكلت من تقاطعات معقدة؛ أبرزها تنامي العمليات الفدائية عبر جبهتي غزة والأردن، وتداعيات صفقة الأسلحة التشيكية-المصرية عام 1955، إلى جانب القرار المصري بإغلاق مضيق تيران وقناة السويس أمام الملاحة الإسرائيلية.
وجاء تأميم الرئيس جمال عبد الناصر للقناة في يوليو 1956 ليوفر أرضية مشتركة لتحالف سري وُقِّع في "سيفر" قرب باريس بين إسرائيل وبريطانيا وفرنسا، يقضي بشن هجوم إسرائيلي في سيناء يتخذ كذريعة لتدخل القوتين الأوروبيتين.
ويرى الباحث جدعون ميتشينيك في تقريره، أن عملية صنع القرار الإسرائيلي آنذاك تقاسمتها أربع شخصيات محورية أنتجت أبعادًا متباينة في إدارة الأزمة:
ديفيد بن جوريون: الذي مثل قطب الحسم السياسي، حيث فرض سرية مطلقة على التخطيط وهمّش مجلس الوزراء لضمان عنصر المفاجأة والمراهنة على الحلفاء الدوليين.
موشيه ديان: رئيس الأركان الذي قاد الجناح العسكري المندفع، واضعًا خططاً ميدانية قائمة على المناورة السريعة واحتلال شرم الشيخ لكسر الحصار البحري.
شيمون بيريز: الذي تولى الإشراف الخفي على بناء القوة والتسليح، وتأمين صفقات الدبابات والطائرات الحاسمة من فرنسا عبر قنوات موازية لوزارة الخارجية.
موشيه شاريت: وزير الخارجية (الذي أُزيح من منصبه قبل الحرب)، وشكّل الصوت الدبلوماسي المحذر من التكاليف السياسية لاستخدام المفرط للقوة، معتبرًا أن الانجرار وراء التصعيد الميداني يقلص الهامش الدبلوماسي ويضر بالمكانة الدولية.
محصلة الميدان العسكري ومأزق الإرادة الدولية
ويشير التقرير إلى أنه على الرغم من النجاح الميداني الخاطف الذي بدأ بإنزال الكتيبة 890 المظلية شرق ممر ميتلا — لتوفير ذريعة التدخل للحلفاء الأوروبيين — واجتياح شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، فإن المعارك كشفت عن ثغرات تكتيكية وقيادية حادة. وتعد معركة "ممر ميتلا" الشاهد الأبرز على كلفة القرارات الميدانية الخاطئة بعد أن أسفرت عن مقتل 38 جنديًا. ووفقًا للوثائق الرسمية للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، أسفرت الحرب جمالاً عن مقتل 182 جنديًا وإصابة نحو 800 آخرين.
معادلة الانسحاب وتحذير "الحرب الفاخرة"
بحسب التقرير، تثبت القراءة التاريخية أن السيطرة الجغرافية لم تمنح إسرائيل حق تقرير مصير الأراضي المحتلة؛ إذ اصطدمت المكتسبات الميدانية بـ فيتو صارم وضغوط دبلوماسية مشتركة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، مما قاد إلى انسحاب جبري كامل من سيناء وغزة وشرم الشيخ بحلول مارس 1957. وعلى الرغم من تجريد إسرائيل من مكاسبها الترابية، إلا أن التراجع أفرز عوائد أمنية مؤقتة، شملت تأمين الملاحة في مضيق تيران، ونشر قوات طوارئ أممية، ودخول الجبهة في هدوء نسبي دام 11 عامًا.
واوضح أن هذه المحصلة دفعت ديفيد بن جوريون في ديسمبر 1956 إلى توجيه خطاب نقدي حاد لهيئة الأركان بعنوان "ما لا يجب تعلمه من حملة سيناء"، وصفها فيه بـ "الحرب الفاخرة". وتكمن أهمية تحذيره في التنبيه إلى أن النجاح بني على تقاطع ظروف دولية استثنائية وتحالفات مؤقتة، محذرًا المؤسسة العسكرية من الانزلاق إلى فخ الثقة المفرطة وافتراض إمكانية استنساخ هذه التجربة في المستقبل.
محددات اتخاذ القرار السبعة
خلص التحليل الاستراتيجي للمركز إلى صياغة سبعة معايير حاكمة لإدارة الأزمات وصنع القرار:
الانفصام بين العسكري والسياسي: القدرة على تدمير قوة العدو لا تضمن الحفاظ على المكتسبات الجغرافية ما لم يتم صياغة إطار سياسي لواقع ما بعد الحرب مسبقًا.
تضارب الأولويات الاستراتيجية: تتطلب العمليات العسكرية فرزًا دقيقًا لمدى توافق أهداف الردع وتأمين خطوط الملاحة وتغيير الواقع الإقليمي مع الأثمان المطلوبة.
معضلة التبعية في التحالفات: توفر التحالفات فرصًا كبرى، لكنها تولد قيوداً وارتباطات حرجة تتأثر مباشرة بتقلب مصالح الشركاء ومدى استجابتهم للضغوط الدولية.
حيوية التعددية السياسية: يعكس الخلاف التاريخي بين بن جوريون (العسكري) وشاريت (الدبلوماسي) أهمية الاستماع للأصوات المحذرة لحساب الكلفة السياسية المترتبة على اللجوء للقوة.
التفريق بين رصد الخطر وقرار الحرب: وجود تهديد حقيقي يستدعي الرد بالضرورة، لكنه لا يحدد تلقائيًا نطاق المعركة، توقيتها، أو شروط إنهائها.
المراجعة النقدية الدورية: يجب تجنب تحويل انتصار ميداني عابر ومؤقت إلى عقيدة استراتيجية جامدة دون تفكيك الأخطاء التكتيكية التي تخللته.
إلزامية هندسة "اليوم التالي": لا ينفصل التخطيط العملياتي للهجوم عن التقييم المسبق للترتيبات الأمنية، والوضع السياسي، ومواقف القوى العظمى عند توقف إطلاق النار.
الإسقاط التاريخي على حرب ما بعد 7 أكتوبر 2023
يختتم المركز تقريره بالإشارة إلى أنه على الرغم من القفزات التكنولوجية وتبدل النظام الإقليمي منذ عام 1956، فإن جوهر المسؤولية الاستراتيجية يظل ثابتًا. وتكتسب هذه الدروس أهمية مصيرية في سياق حرب ما بعد 7 أكتوبر 2023 والأزمات متعددة الجبهات؛ إذ تشكل دعوة ملحة لكسر المسلمات الراسخة وتفنيد الثقة المفرطة، مؤكدًا أن الاختبار الحقيقي للقوة لا يقاس بمدى التوغل الميداني، بل بالقدرة على صياغة ترتيبات تحول المنجز العسكري المؤقت إلى واقع سياسي وأمني مستدام.
https://icgs.org.il/en/publications/sinai-war-strategic-lessons/

