حققت الفلسطينية الأمريكية عبير قواس إنجازا سياسيا تاريخيا بفوزها بمقعد الدائرة الثانية عشرة في مجلس شيوخ ولاية نيويورك، لتصبح أول امرأة فلسطينية أمريكية تصل إلى المجلس التشريعي للولاية، في انتصار يحمل دلالات سياسية تتجاوز نتائج الانتخابات، بالنظر إلى خلفيتها العائلية المرتبطة بنكبة عام 1948، ومسيرتها في الدفاع عن حقوق المهاجرين والعمال، ومواقفها المناهضة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وحصلت قواس على نحو 75% من الأصوات، مقابل منافسها الجمهوري هان خون تو، وفق النتائج الأولية التي أظهرت فرز نحو 90% من الأصوات، في الانتخابات التي جرت ضمن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
ويأتي فوزها تتويجا لمسار انتخابي بدأ بتصدرها الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في يونيو الماضي، بعدما حصلت على نحو 60% من الأصوات، لتخوض الانتخابات العامة مدعومة من شخصيات سياسية تقدمية، في مقدمتها عمدة نيويورك زهران ممداني، والسيناتور بيرني ساندرز، والنائبة رشيدة طليب، إلى جانب منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا.
ولا يمثل وصول قواس إلى مجلس شيوخ الولاية مجرد إضافة جديدة إلى قائمة السياسيين من أصول عربية وفلسطينية في الولايات المتحدة، بل يعكس أيضا صعود شخصيات سياسية تتبنى خطابا يربط بين القضايا المحلية، مثل السكن والأجور والرعاية الصحية، والقضايا الدولية، وعلى رأسها الحرب على غزة والمساعدات الأمريكية للاحتلال.
من عائلة فلسطينية هُجّرت عام 1948
وُلدت عبير قواس في مدينة نيويورك لعائلة فلسطينية لاجئة، تعود جذورها إلى عائلة هُجّرت من فلسطين خلال نكبة عام 1948، واستقرت في الأردن، قبل أن تنتقل لاحقا إلى الولايات المتحدة بحثا عن حياة أكثر استقرارا.
لكن انتقال العائلة إلى الأراضي الأمريكية لم ينهِ معاناتها مع سياسات الهجرة والترحيل؛ إذ تعرض والدها للاحتجاز داخل أحد مراكز إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، قبل أن ترحله السلطات مجددا إلى الأردن، في تجربة تركت أثرا واضحا على رؤية قواس السياسية ومواقفها من حقوق المهاجرين.
وتحدثت قواس عن تجربة والدها باعتبارها جزءا أساسيا من تكوينها السياسي، قائلة: «كان والدي واحدا من آلاف الأشخاص الذين انتهى بهم الأمر في مراكز احتجاز إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، ثم تم ترحيله من هذا البلد».
وتؤكد قواس أن خلفيتها الفلسطينية كانت من أبرز الأسباب التي دفعتها إلى دخول المجال السياسي، لكنها في الوقت نفسه كانت سببا في فقدانها الثقة بالسياسة الانتخابية لفترة طويلة، قبل أن تقرر خوض التجربة والعمل على إحداث تغيير من داخل المؤسسات التشريعية.
وتجمع تجربتها بين ذاكرة التهجير الفلسطيني ومعاناة عائلتها مع سياسات الهجرة الأمريكية، وهو ما انعكس على أولوياتها السياسية، التي تركز على الدفاع عن الفئات التي تواجه التمييز والتهميش، سواء بسبب خلفياتها العرقية أو أوضاعها الاقتصادية أو وضعها القانوني.
15 عاما من الدفاع عن العمال والمهاجرين
وقبل وصولها إلى مجلس شيوخ نيويورك، أمضت عبير قواس أكثر من 15 عاما في العمل المجتمعي وتنظيم المجتمعات المحلية، مع التركيز على حقوق العمال والمهاجرين والفئات المهمشة، وشاركت خلال تلك الفترة في حملات اجتماعية وسياسية استهدفت تحسين ظروف المعيشة وتعزيز الحماية القانونية للفئات الأكثر عرضة للانتهاكات.
وشملت أنشطتها المطالبة برفع الحد الأدنى للأجور، والدفاع عن حقوق المستأجرين والعمال، ومناهضة المراقبة والمضايقات الأمنية، إلى جانب المشاركة في جهود دعم المهاجرين المتضررين من سياسات إدارة الهجرة والجمارك.
كما ارتبط اسمها بحملة «Not On Our Dime»، التي تستهدف منع المؤسسات المسجلة في ولاية نيويورك من استغلال وضعها القانوني باعتبارها مؤسسات غير ربحية في تمويل انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين.
وتقوم فكرة الحملة على استخدام القوانين المنظمة للمؤسسات غير الربحية في نيويورك لمساءلة الجهات التي تستفيد من الامتيازات القانونية والضريبية الممنوحة لها، بينما تستخدم مواردها في دعم أنشطة مرتبطة بالاحتلال أو انتهاكات حقوق الفلسطينيين.
وامتد نشاط قواس إلى ملفات حقوق العرب والمسلمين في الولايات المتحدة، وتقديم الدعم القانوني للأشخاص المتضررين من السياسات الأمنية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، وهي قضايا اكتسبت أهمية خاصة في ظل تصاعد القيود الأمنية والتمييز ضد المجتمعات العربية والمسلمة.
وقف تمويل الإبادة في غزة
وشغلت القضية الفلسطينية موقعا مركزيا في حملة عبير قواس الانتخابية، إذ جعلت من وقف تمويل الإبادة الجماعية في قطاع غزة بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين أحد أبرز مواقفها السياسية، منتقدة استمرار تقديم الدعم العسكري والمالي للاحتلال، بالتزامن مع تدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع.
وفي مقابلة مع موقع «City & State New York»، تحدثت قواس عن تأثير الحرب على غزة في قرارها خوض الانتخابات، مشيرة إلى أن ما يجري في القطاع كشف التناقض بين تخصيص أموال ضخمة للحروب والقصف العسكري، وبين احتياجات السكان داخل الولايات المتحدة إلى الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية ورعاية الأطفال والسكن بأسعار مناسبة.
وترى قواس أن الأموال العامة يجب أن توجه إلى تحسين حياة المواطنين وتوفير احتياجاتهم الأساسية، بدلا من استخدامها في دعم الحروب والانتهاكات خارج الولايات المتحدة، وهو موقف ربطته خلال حملتها بأزمة تكاليف المعيشة التي تواجه قطاعات واسعة من سكان نيويورك.
كما يتضمن برنامجها السياسي دعم حملة «Not On Our Dime»، والعمل على وقف تمويل عنف المستوطنين، ومناهضة نقل الأسلحة المستخدمة في الحروب غير القانونية عبر البنية التحتية الممولة من الأموال العامة في الولاية.
وتدافع قواس كذلك عن حق الفلسطينيين في التعبير عن مواقفهم السياسية، وتنظيم المظاهرات، ومقاطعة الاحتلال، معتبرة أن التضامن مع الفلسطينيين ورفض السياسات الإسرائيلية يجب ألا يكونا سببا للتعرض للملاحقة أو التضييق.
حملات تشويه بسبب مواقفها الفلسطينية
لم تخلُ الحملة الانتخابية لقواس من الانتقادات والهجمات السياسية، إذ واجهت حملات تشويه من شخصيات يمينية وحسابات مؤيدة للاحتلال، ركزت بصورة أساسية على مواقفها من القضية الفلسطينية والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وتعرضت قواس لانتقادات بسبب دعمها الحقوق الفلسطينية ومطالبتها بوقف تمويل الاحتلال، في سياق أوسع من الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن حدود حرية التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين، والاتهامات التي تواجه ناشطين وسياسيين بسبب مواقفهم المناهضة للسياسات الإسرائيلية.
لكنها واصلت حملتها مستندة إلى دعم مجموعات تقدمية ونشطاء في العمل المجتمعي، وحرصت على تقديم برنامج انتخابي يتجاوز السياسة الخارجية إلى القضايا اليومية التي تشغل سكان دائرتها.
وشملت أبرز الملفات التي ركزت عليها توفير السكن بأسعار مناسبة، وحماية حقوق المستأجرين، وتحسين خدمات الرعاية الصحية، والدفاع عن حقوق العمال والمهاجرين، إلى جانب مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي هذا السياق، لم تكن القضية الفلسطينية الملف الوحيد في حملتها، لكنها شكلت أحد المكونات الأساسية لهويتها السياسية، وربطت بينها وبين مطالب العدالة الاجتماعية والمساواة ورفض استخدام الأموال العامة في تمويل الحروب.

