في فوز تاريخي يحمل أبعادا سياسية ورمزية، أعلن المرشح الديمقراطي ذو الأصول المصرية عبد الرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول»، انتصاره على منافسه الجمهوري مايك روجرز في انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيجان، ليصبح أول مسلم يفوز بمقعد في المجلس، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة.
وجاء فوز السيد بعد منافسة انتخابية حادة، شهدت حملات تحريض وهجوم سياسي وديني استهدفته، تصدرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعا الناخبين علنا إلى عدم التصويت له، وشن هجوما متكررا على خلفيته المصرية والإسلامية ومواقفه السياسية، في محاولة لتصويره باعتباره تهديدا للهوية الأمريكية والأمن القومي.
لكن المرشح الديمقراطي تمكن من تجاوز تلك الحملات، محققا انتصارا وصفه أنصاره بالتاريخي، وسط احتفالات لافتة شهدت إطلاق زغرودة مصرية داخل قاعة الاحتفال، بينما اختار السيد أن يبدأ خطاب النصر بعبارة «الحمد لله».
زغرودة مصرية في خطاب النصر
وشهدت قاعة الاحتفال بفوز عبد الرحمن السيد أجواء استثنائية، بعدما أطلقت إحدى السيدات الحاضرات زغرودة مصرية، تزامنا مع حديثه عن تحقيق الانتصار، في مشهد لاقى تفاعلا واسعا بين أنصاره، وربط بين الاحتفال السياسي والتقاليد المصرية.
وقال السيد في خطاب النصر: «اسمي عبد الرحمن محمد السيد، وأنا فخور بفوزي عن ولاية ميشيجان، الحمد لله، أنجزنا المهمة»، مضيفا: «يمكننا الانتقال من إن شاء الله إلى الحمد لله»، قبل أن تنطلق الزغرودة من بين الحاضرين، احتفالا بإعلان فوزه.
ولم تقتصر رسائل المرشح الديمقراطي على الاحتفال بالنتيجة، بل وجه انتقادا مباشرا لمنافسه الجمهوري مايك روجرز، الذي خسر السباق، قائلا: «استمتع بتقاعدك، لقد اخترت الكراهية وميشيجان اختارت الأمل، ونتمنى ألا نرى أمثالك في هذه الولاية مجددا».
كما وجه السيد رسالة ساخرة إلى ترامب، الذي سبق أن واجه صعوبة في نطق اسمه خلال خطاباته الانتخابية، قائلا: «الآن، إذا كانت لديك مشكلة مع اسمي، يمكنك أن تناديني بالسيناتور»، في إشارة إلى أن الهجوم الذي استهدف اسمه وخلفيته لم يمنعه من الوصول إلى المنصب.
ترامب قاد حملة تحريض ضده
وجاء الانتصار رغم حملة سياسية وإعلامية مكثفة قادها ترامب وعدد من الجمهوريين ضد المرشح الديمقراطي، إذ استخدم الرئيس الأمريكي خلفية السيد الدينية وأصوله المصرية مادة للهجوم عليه، محاولا ربطه بالإرهاب والتطرف، بدلا من التركيز على برنامجه الانتخابي ومواقفه السياسية.
وخلال أحد المؤتمرات الانتخابية في ميشيجان، وصف ترامب السيد بأنه «جهادي»، وقال إنه سيتعين عليه المرور عبر جهاز كشف المعادن قبل السماح له بدخول مجلس الشيوخ.
كما حذر ترامب أنصاره من أن فوز السيد والديمقراطيين سيفتح الباب أمام ما وصفه بـ«حشود من الجهاديين» للوصول إلى الولايات المتحدة، مدعيا أن ذلك سيؤدي إلى انتشار العنف والترهيب، في خطاب اعتمد على إثارة المخاوف من المسلمين والمهاجرين.
ولم يكن ترامب الوحيد الذي شارك في الهجوم، إذ اتهم السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس تيد كروز، المرشح الديمقراطي بأنه يمثل خطرا على الأمن القومي الأمريكي، بينما روجت حملات انتخابية جمهورية رسائل تحاول تصويره باعتباره وجها للتطرف السياسي والديني.
ووصلت محاولات التأثير على الناخبين إلى طرح معادلة تقوم على الاختيار بين «الأمريكي مايك روجرز» و«المسلم عبدول السيد»، في محاولة واضحة لتقديم الانتماء الديني للمرشح باعتباره نقيضا للهوية الوطنية الأمريكية.
كما تضمنت بعض الرسائل الانتخابية اتهامات بأن السيد يسعى إلى تحويل الدستور الأمريكي إلى الشريعة الإسلامية، وهي اتهامات استخدمت في سياق الحملة ضده دون أن تكون مجرد خلافات تقليدية بشأن برنامجه السياسي.
42 مليون دولار لمواجهة الحملة
وبالتوازي مع الهجوم السياسي، واجهت حملة عبد الرحمن السيد ضغوطا مالية وانتخابية كبيرة، في ظل إنفاق مبالغ ضخمة على حملات إعلانية استهدفت تقليص فرصه في الفوز، كان من أبرزها ما قال إنه إنفاق لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» نحو 42 مليون دولار ضد حملته.
وتطرق السيد إلى هذا الإنفاق خلال خطاب إعلان فوزه، موجها حديثه إلى الجهات التي حاولت إسقاطه، قائلا: «أيباك وهذا النظام السياسي، شكرا لأنكم أتحتم لي فرصة هزيمتكم مرتين، رغم كل الأموال التي أنفقتموها».
كما انتقد توظيف الأموال الانتخابية للتأثير على مواقف المرشحين والسياسات الأمريكية، مؤكدا رفضه استخدام أموال دافعي الضرائب في تمويل الحروب أو دعم ممارسات الفصل العنصري والإبادة الجماعية.
وفي هذا السياق، شدد السيد على ضرورة ألا تتحول المساهمات المالية والضغوط السياسية إلى وسيلة لتوجيه القرارات العامة بعيدا عن مصالح المواطنين، في موقف يتقاطع مع انتقاداته لدور جماعات الضغط، وعلى رأسها أيباك، في الانتخابات الأمريكية.
مواقف حادة من دعم إسرائيل ومصر
ولا ينفصل موقف عبد الرحمن السيد من جماعات الضغط عن مواقفه السياسية تجاه السياسة الخارجية الأمريكية، إذ أعلن رفضه استخدام أموال الضرائب الأمريكية لدعم ما وصفه بالديكتاتورية العسكرية التي تخنق الشعب المصري، في إشارة إلى انتقاداته لعبد الفتاح السيسي.
وقال السيد، الذي تنحدر عائلته من مصر، إن أسرته جاءت من بلد لا توجد فيه ديمقراطية، في تصريح يعكس حضور تجربته العائلية وجذوره المصرية ضمن رؤيته السياسية، وانتقاداته لاستخدام الأموال الأمريكية في دعم أنظمة يراها غير ديمقراطية.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل الجدل المستمر داخل الولايات المتحدة بشأن المساعدات العسكرية والاقتصادية المقدمة إلى مصر، ومدى ارتباطها بملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة.
كما يتبنى السيد مواقف منتقدة للدعم الأمريكي لإسرائيل، ويرفض توجيه أموال دافعي الضرائب لتمويل الحروب أو الممارسات التي يعتبرها انتهاكات بحق الفلسطينيين، وهو ما جعله هدفا لهجمات من جهات مؤيدة لإسرائيل خلال حملته الانتخابية.

