تصاعدت إعتداءات الإحتلال الصهيوني ضد الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر خلال الآونة الأخيرة، متجاوزة تفاهمات التهدئة المقررة، في ظل استمرار القصف العسكري الجوي العنيف وتدمير البنى التحتية الحيوية وإغلاق المعابر التجارية والإنسانية بصورة كاملة ومحكمة.
​
​
وبالتزامن مع هذا التصعيد الميداني الخطير، ارتفعت حصيلة الضحايا المدنيين بدرجة مروعة لتصل إلى استشهاد 1599 فلسطينيا وإصابة 5774 آخرين منذ تاريخ 11 أكتوبر 2025، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة التي تحاصر السكان يوميا.
​
​
تداعيات الحصار وتفاقم الكارثة المعيشية
​
​
وفي هذا السياق، أكد الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا من خان يونس أن التصعيد يتكرر بنمط متدرج، الأمر الذي يضع المواطنين تحت وطأة ضغوط عصبية ونفسية مستمرة في ظل غياب أي أفق لتغيير الواقع المأساوي الراهن.
​
​
علاوة على ذلك، أوضح القرا أن إغلاق المعابر المحيطة بالقطاع ومنع إدخال السلع يمثلان أداة عقاب جماعي ممنهجة تهدف إلى مضاعفة معاناة المدنيين، وحرمان العائلات المنكوبة من أبسط متطلبات الحياة الأساسية والصحية الضرورية.
​
​
ومن هذا المنطلق، أشار المحلل السياسي إلى أن الشاحنات التي كانت تعبر من الجانب المصري، والتي تراوح عددها بين 40 و50 شاحنة فقط، لم تكن تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات التموينية المتعاظمة للأهالي المحاصرين.
​
​
بناء على ذلك، حذر القرا من التداعيات الوخيمة لاستمرار هذا الخناق التمويني المتزامن مع حلول فصل الشتاء القارس، مما ينذر بكارثة غير مسبوقة تؤكدها التقارير الصادرة عن المنظمات الإغاثية والدولية المعنية.
​
​
وعلى صعيد متصل، أفادت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي بتسجيل نحو 6000 خرق عسكري ارتكبته قوات الاحتلال ضد قطاع غزة، ضاربة بعرض الحائط كافة التفاهمات المعلنة لتهدئة الأوضاع الميدانية المتوترة.
​
​
نتيجة لهذه الانتهاكات، يعيش السكان في مختلف أرجاء القطاع حالة من الذعر المتواصل بفعل القصف المدفعي المباغت، الذي يستهدف الأحياء السكنية وخيام النازحين دون أدنى مراعاة للقوانين والأعراف الإنسانية الدولية.
​
​
دوافع نتنياهو وحسابات المشهد الداخلي
​
​
من جهته، رأى الخبير في الشؤون الإسرائيلية محمد هلسة أن تل أبيب نجحت في تطبيع الواقع المأساوي دوليا وإقليميا، حتى باتت الانتهاكات المستمرة أمرا معتادا يخلو من أي إدانات حقيقية أو ردود فعل رادعة.
​
​
إضافة إلى ذلك، لفت هلسة إلى التراجع الملحوظ في الانتقادات الغربية الموجهة للحكومة الإسرائيلية، بالتوازي مع تماسك علاقاتها مع واشنطن، مما منح القيادة العسكرية غطاء إضافيا لمواصلة استهداف المدنيين دون خشية عواقب دبلوماسية.
​
​
فضلا عن ذلك، بيّن المحلل السياسي أن بنيامين نتنياهو يرفض تقديم أي تنازلات جوهرية تخص غزة، مستندا إلى استعصاء سياسي معقد يواجهه داخليا، بالرغم من استمرار توافد الوسطاء والوفود الدبلوماسية الدولية الحثيثة.
​
​
وفي المقابل، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى إثبات قدرته على حسم المعركة العسكرية أمام مجتمعه، مستخدما التصعيد الميداني في غزة والضفة الغربية كورقة ضغط فعالة لإرباك خصومه السياسيين وتجريدهم من أي مكاسب.
​
​
وعطفا على ذلك، يواصل نتنياهو توجيه اتهامات حادة للمعارضة بتمكين حركة حماس والتفريط في الأراضي الخاضعة للجيش، بغية إحكام سيطرته على المشهد العام وتبرير التمسك بالخيار العسكري المدمر ضد السكان المحاصرين.
​
​
وعليه، يوظف نتنياهو حالة الطوارئ الراهنة لخدمة تطلعاته الحزبية، إما عبر إجبار منافسيه على تشكيل حكومة وحدة وطنية دون شروط مسبقة، أو بالدفع نحو انتخابات جديدة تضمن بقاءه في قمة هرم السلطة.
​
​
مستقبل غزة وخطة ترمب المقترحة
​
​
من ناحية أخرى، أكد الباحث الأمريكي كينيث كاتزمان أن خطة دونالد ترمب لا تزال تحتفظ بأهميتها السياسية، نظرا لاقتراحها تسليم إدارة قطاع غزة إلى لجنة تكنوقراط مستقلة تمهد لاحقا لتشكيل حكومة توافق وطني فلسطينية.
​
​
واستنادا إلى ذلك، شدد كاتزمان على وجوب توفير المناخ الملائم لاستئناف المسار التفاوضي المتعثر بين الطرفين، مسترجعا تجارب محادثات السلام في تسعينيات القرن الماضي التي انتهت بالفشل جراء التحولات الإقليمية والمواقف المتصلبة.
​
​
بيد أن المحلل السياسي إياد القرا اعتبر أن الممارسات الميدانية تدحض الالتزام ببنود الاتفاق، إذ وظف نتنياهو الطرح الأمريكي لمجرد كسر عزلته الخارجية والتخلص من ضغوطه الداخلية، دون تطبيق وقف إطلاق النار أو تيسير قوافل الإغاثة.
​
​
وفي موازاة ذلك، وافقت حكومة الإحنلال على الخطة ظاهريا، بينما صعّدت في الواقع عمليات التوغل البري والاغتيالات والاعتقالات الممنهجة، وعملت على قضم مساحات شاسعة من أراضي القطاع لعزل مناطقه وفرض السيطرة.

 

إلى جانب ذلك، لفت القرا إلى سعي الاحتلال لتحقيق مطامع استيطانية وتهجير السكان تحت لافتة إسقاط المقاومة، مؤكدا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يروج لهذه الأجندة المتطرفة علنا ضمن مشروعه السياسي وبرنامجه الانتخابي.
​
​
وختاما لهذا المشهد، يعكس الموقف الأمريكي تقاطعا إستراتيجيا مع أهداف تل أبيب، حيث تمتنع واشنطن عن ممارسة ضغوط فعلية لكبح العدوان، مما يترك الشعب الفلسطيني يواجه مصيره أمام آلة القتل في ظل غياب الضمانات.