أغلقت جماعة مسلحة صمام خط أنابيب الحمادة الذي يغذي مصفاة الزاوية في ليبيا، متسببة في وقف تدفق نحو 15 ألف برميل يوميا، ليتجدد شبح تعطل الإمدادات الحيوية داخل الاقتصاد الوطني المعتمد على مبيعات الخام.
وفي هذا السياق، يتزامن التعطيل الميداني الجديد مع تصاعد الصراع السياسي الحاد في البلاد، حيث تستمر الأطراف المتنازعة في توظيف قطاع الطاقة كورقة مساومة لتحصيل مكاسب فئوية وإدارية على حساب الاستقرار العام.
تداعيات إغلاق خط أنابيب الحمادة
وبناء على ذلك، يأتي هذا التطور بعد إغلاق صمام آخر على الخط نفسه في 22 أكتوبر، ما أدى حينها إلى انخفاض فوري في معدلات ضخ النفط الخام من حقلي الحمادة والطهارة بشكل مقلق.
علاوة على ذلك، توضح سلسلة التوقفات المتكررة حجم الهشاشة الأمنية والتشغيلية التي يعاني منها قطاع النفط، بعدما باتت المنشآت الحيوية هدفا سهلا لتحركات الميليشيات المسلحة الساعية لفرض شروطها المالية على السلطات الرسمية.
ومن هذا المنطلق، شهد شهر سبتمبر الماضي إغلاقا مماثلا طال صمام حقل الشرارة النفطي الضخم، الأمر الذي أسفر عن خسارة إنتاجية فادحة هددت استقرار منظومة تزويد المصافي المحلية بالخام بصورة مباشرة.
بالتوازي مع ذلك، حاصر محتجون بوابات مجمع ومصفاة الزاوية خلال الفترة ذاتها، ما أثار مخاوف واسعة من شلل تام يضرب عمليات تكرير الوقود ويهدد بتفاقم أزمة نقص المشتقات النفطية بالسوق المحلية.
وعلى صعيد متصل، تتجاوز تداعيات قطع الأنابيب مجرد حرمان الخزينة من النفط، إذ يمتد الضرر ليشمل تعطيل تشغيل المحطات الإنتاجية وإرباك خطط توزيع البنزين والديزل في المدن الليبية التي تواجه أزمات متلاحقة.
فضلا عن ذلك، يتسبب التوقف المستمر في زعزعة مصداقية المؤسسة الوطنية للنفط أمام الشركاء الدوليين، نتيجة عجزها المتكرر عن الالتزام بعقود التصدير المبرمة مسبقا، ما يفقد الدولة ثقة الأسواق العالمية الحيوية.
أزمة حرس المنشآت والمطالب الإدارية
ومن جهة ثانية، ترتبط التحركات الاحتجاجية بمطالب مزمنة يرفعها منتسبو جهاز حرس المنشآت النفطية، والذين يطالبون بتسوية أوضاعهم الوظيفية وصرف مستحقاتهم المتأخرة لتحسين ظروفهم المعيشية في ظل تدهور قيمة العملة المحلية.
إضافة إلى ذلك، يصر المحتجون على نقل تبعية الجهاز إداريا وماليا إلى المؤسسة الوطنية للنفط، مع ضرورة وضع جدول زمني ملزم وصارم لإنهاء هذا الملف المعلق منذ سنوات طويلة دون حلول.
وفي غضون ذلك، رافقت تلك المطالب تحركات تصعيدية خلال سبتمبر شملت خفض الإنتاج قسريا والتلويح بوقف الصادرات كليا في حقول أخرى، لإجبار متخذي القرار السياسي على الرضوخ لتلك الضغوط المتصاعدة سريعا.
ونتيجة لذلك، تحولت صمامات الأنابيب إلى أدوات ضغط مباشرة بيد الفصائل المسلحة، التي تدرك مدى حساسية هذا القطاع وتستغله لانتزاع مكاسب مادية ومواقع نفوذ تعزز من سطوتها على الساحة السياسية المعقدة.
وفي المقابل، يعكس هذا المشهد غياب السيطرة الأمنية المركزية وتفكك سلطة الدولة، ما يسمح لمجموعات محلية محدودة بتعطيل شرايين الاقتصاد الليبي دون خشية من محاسبة قانونية رادعة تحمي مقدرات الشعب العامة.
وبالتزامن مع هذا، تقع الفرق الفنية والتشغيلية في الحقول تحت ضغوط أمنية هائلة، حيث تصبح عاجزة عن أداء مهام الصيانة والإمداد في بيئة متوترة تسيطر عليها فوهات البنادق بدلا من المعايير المهنية.
مخاطر استنزاف الموازنة والاقتصاد الوطني
وفي ضوء ذلك، تكمن خطورة هذه الأزمة في اعتماد الدولة الليبية شبه الكامل على ريع النفط لتمويل ميزانيتها، حيث تشكل إيرادات تصدير الخام نحو 90 بالمئة من إجمالي الدخل المالي العام للبلاد.
بالإضافة إلى ذلك، يبلغ معدل الإنتاج الليبي المعتاد قرابة 1.4 مليون برميل يوميا وفق بيانات رسمية سابقة، لكن هذه الأرقام تظل عرضة للتراجع الحاد مع كل عملية إغلاق قسري تشهدها أنابيب النقل.
وفي هذا الإطار، تعيش ليبيا مفارقة صارخة لامتلاكها احتياطيات نفطية ضخمة وإمكانات تشغيلية واعدة، في حين تقف عاجزة عن تأمين تدفق ثرواتها الطبيعية وحمايتها من التجاذبات الميدانية والصراعات السياسية المتكررة داخل أراضيها.
إثر ذلك، يؤدي استنزاف التدفقات النقدية إلى تعميق العجز المالي للحكومة، مما يعرقل قدرتها على دفع رواتب الموظفين وتمويل مشروعات البنية التحتية، فضلا عن تراجع ثقة المستثمرين الأجانب ببيئة الأعمال المحلية.
وعليه، تتجاوز الأزمة مجرد قفل صمام لنقل الخام لفترة مؤقتة، لتصل إلى معضلة هيكلية تتمثل في إخضاع مقدرات الوطن لحسابات النفوذ الضيقة، ما يدفع الاقتصاد نحو مزيد من الانهيار والارتهان للمصالح الفئوية.
ختاما، يدفع المواطن الليبي البسيط الكلفة الباهظة لتحويل قطاع الطاقة إلى ورقة مقايضة سياسية، في ظل استمرار دوامة التنازع على السلطة وغياب استراتيجية وطنية جامعة تحيد المورد الوحيد عن الصراعات المسلحة.

